مصر الثورة





سوريا نحن معكم




with you syria

[IMG]http://shams-d.net/up//uploads/images/domain-b9caecbbc3.png[/IMG]




‏إظهار الرسائل ذات التسميات أقلام ثورية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أقلام ثورية. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 2 نوفمبر 2012

حقائق الواقع‏..‏ وضرورات التغيير


  حقائق الواقع‏..‏ وضرورات التغيير

بقلم: ا.د/  محمد عمارة – المفكر الاسلامي الكبير وعضو مجمع البحوث الاسلامية وهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف .



هناك مفارقات حادة ـ بل وشاذة ومستفزة ـ بين الامكانات المادية الهائلة التي يملكها الشرق الاسلامي وبين الواقع البائس الذي تعيشه أغلب الشعوب في عالم الإسلام‏.‏

> فمساحة العالم الاسلامي ـ الممتدة من غانة إلي فرغانة, ومن حوض نهر الفولجا إلي جنوبي خط الاستواء ـ تبلغ خمسة وثلاثين مليونا من الكيلو مترات المربعة, يعيش فيها أكثر من مليار وستمائة مليون نسمة من السكان.. بينما مساحة الصين هي ربع مساحة العالم الإسلامي, وفيها ما يقرب من تعداد المسلمين!.
> وإذا كان الموقع الجغرافي للعالم الإسلامي يجعله الحاكم لتواصل قارات العالم وبحاره ومحيطاته, فإن أرضه تحتوي علي الثروات التي تجعله العالم الأول في الكثير من ميادين الثراء.. فهو العالم الأول في البترول والغاز الطبيعي واليورانيوم والمنجنيز و الكروم والقصدير والبوكيت.. وهو العالم الثاني في النحاس والفوسفات.. وهو العالم الثالث في الحديد.. وهو العالم الخامس في الرصاص.. وهو العالم السابع في الفحم.. فضلا عن غناه بمناجم الذهب.. وفي المعادن التي لم يتم الكشف عنها والاستخراج لها.
.. وفي هذا العالم الاسلامي أطول أنهار الدنيا, وأقدم فلاح علم البشرية فن الزراعة, وفي بلد واحد من بلدانه ـ السودان ـ غير الثروة الحيوانية ـ أكثر من مائتي مليون فدان صالحة للزراعة بأقل التكاليف ـ لتكون سلة الغذاء لكل عالم الإسلام.. وفي هذا العالم الإسلامي من شواطئ البحار والمحيطات والأنهار ما يجعله المصدر الأول للثروة السمكية والمعادن البحرية.
> وإذا كان الغرب ـ وأهل الشمال ـ الذين يمثلون 20% من سكان العالم ـ يحتكرون ويستهلكون 68% من خيرات هذا العالم, تاركين 14% ـ فقط ـ من الثروة لـ80% من سكان الجنوب!.. فإن الحال ـ حال التفاوت الفاحش ـ ليس أفضل في داخل عالم الإسلام.. ففي بعض البلاد يبلغ متوسط دخل الفرد 35,000 دولار, بينما ينخفض في الكثير من البلاد إلي 500 دولار فقط لا غير!.
,, فتعيش القلة في تخمة السفه والتبذير, وتعيش الكثرة في فاقة تدفع البعض إلي أن يبيع عقيدته للمنصرين لقاء كسرة خبز أو جرعة دواء!.. بينما يردد الجميع ـ كالببغاوات ـ حديث رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ: (( أيما أهل عرصة ـ[ مكان] -  أصبح فيهم أمرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله عز وجل ))! ـ[ رواه الامام أحمد وأبويعل].
> وفوق هذا التفاوت الفاحش والفقر المذل, هناك ـ في العالم الاسلامي ـ مئات الملايين الذين يعيشون في المقابر والعشوائيات ومدن الصفيح.. وهناك الأمية الأبجدية التي تحجب النور عن أكثر من نصف تعداد المسلمين ـ وذلك فضلا عن الأمية الفكرية والثقافية التي تفترس المواهب فتدفنها من المهد إلي اللحد!.. وهناك العنوسة التي تنخر في بنيان النظام الأسري, والتي تفتح أوسع الأبواب للحرام بعد أن سدت أبواب الحلال أمام الشباب والشابات!.. وهناك العنف العشوائي الذي تتوالي موجاته ويتكاثر منظوره, والذي يغذيه الفقر فيدفع إلي الكفر بمنظومة القيم والأخلاق, وإلي اليأس والقنوط حتي تفر قطاعات من الشباب من أوطانها, علي رغم تحول الكثيرين منهم إلي طعام للحيتان في البحر المتوسط أثناء الفرار! وهناك اللاجئون المسلمون, الذين يكونون أغلبية اللاجئين علي النطاق العالمي!..
> وهناك النخبة ـ التي تحولت إلي نكبة! ـ والتي صنعها الاستعمار علي عينه, والتي تحاول علاج هذه الأمراض بما يزيد من حجم الداء, فتلجأ إلي الاستدانة من الغرب الاستعماري, حتي لقد تحولت الديون ـ في عالم الجنوب ـ إلي الشكل المعاصر للامبريالية, فرهنت الاقتصاد ـ ومعه الكرامة والاستقلال السياسي والحضاري ـ لقاء فوائد الديون, التي تستهلك أغلب الانتاج في كثير من بلاد الاسلام!.
> وهناك عشرات القواعد العسكرية الأجنبية التي تنتشر علي الأرض الاسلامية ـ التي حررها صحابة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ بدمائهم الذكية.. والأساطيل الحربية الاستعمارية التي تحتل البحار والمحيطات في عالم الاسلام, لتحرس التخلف, ولتحمي نظم العجز والفساد والتبعية, ولتكريس الفقر ونهب الثروات!.
> وإذا كان هذا هو مبلغ الواقع البائس المفروض علي عالم الاسلام.. فهل نستغرب ذلك الانفجار الهائل الذي شهدته وتشهده بلادنا في ثورات الربيع العربي التي فتحت النافذة أمام الشرق الاسلامي للخلاص من هذا البؤس وهذا الكابوس؟!
إننا أمام لحظة تاريخية فارقة, لا نريدها مجرد ثورة تقف عند حدود قطر أو عدة أقطار, وإنما نريدها نهضة تحقق للشرق الإسلامي الاستقلال السياسي والحضاري والاقتصادي ـ وليس, فقط, استقلال القلم والنشيد!.. وحتي تنعتق رقاب شعوب الشرق ـ العربية والإسلامية ـ لابد من العودة إلي الذات ـ العقدية والفكرية والثقافية, وإلي الهوية الحضارية الإسلامية.. ولابد من إقامة السوق التجارية المشتركة, والكتلة الاقتصادية المتكاملة والتضامن بين اقطار عالم الإسلام.. ليس ـ فقط ـ بعثا لماضينا الإسلامي, يوم كنا العالم الأول علي ظهر هذه الأرض لأكثر من عشرة قرون.. إنما ـ إضافة إلي ذلك ـ تأسيا بالقارة الأوروبية, التي أقامت وحدتها, علي الرغم من التناقضات التاريخية الحادة والصراعات القومية والدينية والاستعمارية التي استغرقت من عمرها عدة قرون.
إن لدي أمتنا ـ العربية الإسلامية ـ من الأصول العقدية, والمواريث الحضارية, والمشاريع الفكرية والحركات الجماهيرية ما يمكنها فتح أبواب التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستقلة والمستدامة.. وعلي سبيل المثال, فإن في مكتبتنا الإسلامية مئات الدراسات العلمية التي تقدم فريضة الزكاة مؤسسة للتنمية الاقتصادية المستقلة.. بل إن هناك بندا واحدا من بنود هذه الزكاة هو زكاة الركاز أي زكاة الثروات المركوزة في باطن الأرض, وأغلب ثروات العالم الإسلامي مركوزة في باطن الأرض ـ وفيمة زكاة الركاز هذه (20%) من قيمة ما يستخرج من هذه الثروات.. وفيها جاء حديث رسول الله ـ صلي الله علي وسلم : (( فيما خرج من الأرض الخمس وفي الركاز الخمس.. ))  [رواه البخاري ومسلم ومالك والزندي وأبو داود والإمام أحمد ].. وهي زكاة لو وضعت في الصندوق الإسلامي للتنمية لأنقذت العالم الإسلامي من الفقر, وحررت رقابه من العبودية لصندوق النقد والبنك الدوليين.. ولحقت لعالمنا التنمية بالحلال, الذي يفتح علي المسلمين أبواب بركات السماء.
إن التنمية بزكاة الركاز وغيرها من الزكوات مع تحريم استثمار المال الإسلامي خارج ديار الإسلام هي القضايا التي يجب ان تحتل الصدارة في جدول أعمال النهضة الحضارية التي فتحت نافذتها ثورات الربيع العربي أمام عالم الإسلام.. فقط نحتاج الي إرادة النهوض.. وإلي الإرادة التي ترتب وتعظم إمكانات هذا الموضوع.

الاثنين، 8 أكتوبر 2012

سنة التدرج في الإصلاح


  بقلم: ا.د / محمد عمارة

  في الرؤية الإسلامية‏:‏ التدرج ـ في الكون وفي الاجتماع
  في التقدم وفي التراجع ـ سنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل.
  > فالله ـ سبحانه وتعالي: { إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) } الأعراف
والذي فهمته أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ، وهذا واضح .
ولكن في آية أخرى ذكر الله خلق السموات والأرض فقال : { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ(9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ(10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(12) } فصلت .



> وكذلك كانت سنة التدرج في خلق الانسان الأول, بدأت بالتراب, الذي أضيف إليه الماء, فصار طينا, ثم تحول هذا الطين إلي حمأ ـ أسود ـ مسنونا ـ أي منتنا بسبب التغير, فلما يبس هذا الطين, دون أن تمسه نار, سمي صلصالا, يحدث صوتا ورنينا بسبب يبسه. وبعد هذه المراحل المتدرجة في خلق الجانب المادي لهذا الكائن, نفخ الله فيه من روحه فغدا إنسانا, هو آدم عليه السلام.
> وفي النبوات والرسالات, التي مثلت لطفا إلهيا لهداية الإنسان وسعادته في المعاش والمعاد, كانت سنة التدرج حاكمة أيضا, فلقد واكبت شرائح الدين الإلهي الواحد مراحل تطور الإنسان, حتي إذا بلغ سن الرشد جاءت الشريعة الخاتمة التي صدقت بكل النبوات والرسالات والكتب, والتي مثلت التمام لمكارم الأخلاق.. وجاءت المعجزة العقلية التي ناسبت بلوغ الإنسان سن الرشد, بدلا من المعجزات المادية والخوارق التي كانت تدهش العقول.
> بل إن الشريعة الإسلامية ذاتها قد اكتملت بالتدريج.. فالمواريث شرعت سنة  3 هـ ـ أي بعد ستة عشر عاما من بدأ الدعوة ـ.. ونظام الأسرة قد اكتمل سنة 7 هـ ـ أي عبر عشرين عاما من بدء الدعوة ـ.. والقوانين الجنائية اكتملت سنة 8 هـ أي عبر واحد وعشرين عاما من عمر الدعوة ـ.. وتشريع الخمر, بدأ بالذم, ثم التحذير,, ثم التحريم القاطع سنة 8 هـ ـ أي في العام الواحد والعشرين من عمر الدعوة ـ.. وتحريم الربا قد جاء سنة 9 هـ ـ أي بعد قيام النظام الإسلامي البديل ـ وأزيلت بقاياه في حجة الوداع سنة 10 هـ.
> وفي الاجتماع الإنساني, أكدت الرؤية الإسلامية سنة التدرج. فعلي حين تري الرؤية الوضعية الغربية أن التقدم خط صاعد دائما, وأن التخلف خط هابط أبدا, تؤكد الرؤية الإسلامية سنة التدرج والتداول والدورات.. وفي حديث رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ التعبير عن المنهاج الاسلامي في التدرج والتداول والدورات,, يقول:[ لا يلبث الجور بعدي إلا قليلا حتي يطلع, فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله, حتي يولد في الجور من لا يعرف غيره.. ثم يأتي الله ـ تبارك وتعالي ـ بالعدل, فكلما جاء من العدل شيء ذهب من الجور مثله, حتي يولد في العدل من لا يعرف غيره.]. رواه الإمام أحمد ـ.

> ولقد أكد التاريخ الإسلامي صدق هذه الفلسفة ـ فلسفة التدرج ـ في التقدم والتخلف, في النهوض وفي التراجع. فقواعد الإصلاح لا تنقض ولا تسقط دفعة واحدة, وأنما تنقض ـ كما قال الرسول صلي الله عليه وسلم ـ عروة عروة.. وكذلك الحال في التغيير الذي يزيل الفساد.. وفي الإصلاح الذي يحل الصلاح محل الفساد. ولأن تحول الخلافة الراشدة الكاملة إلي خلافة ناقصة وملك عضود قد نقص ـ في إطار الدولة ـ عروتي الشوري والعدل الاجتماعي, وبالتدرج, فلقد كان الإصلاح والتجديد الذي قام به خامس الراشدين عمر بن عبدالعزيز سالكا ـ أيضا ـ سنة التدريج.
ولقد تحدث عمر بن عبدالعزيز عن حدوث هذا التراجع عن العدل الاجتماعي بالتدرج.. كما تحدث عن منهاجه المتدرج في التغيير والإصلاح.. فقال عن تراجع العدل, في دولة الملك العضود ـ: (( إن الله ـ تبارك وتعالي ـ بعث محمد ـ صلي الله عليه وسلم ـ رحمة الي الناس كافة, ثم اختار له ما عنده فقبضه إليه, وترك للناس نهرا شربهم فيه سواء. ثم قام أبوبكر فترك النهر علي حاله. ثم ولي عمر فعمل علي عمل صاحبه. فلما ولي عثمان اشتق من النهر نهرا, ثم ولي معاوية فشق منه الأنهار. ثم لم يزل ذلك النهر يشق منه يزيد ومروان وعبد الملك والوليد وسليمان, حتي أفضي الأمر إلي وقد يبس النهر الأعظم, ولن يرو أصحاب النهر حتي يعود إليهم النهر الأعظم كما كان عليه )). وكما كان التراجع عن العدل بالتدريج, أخذ عمر بن عبد العزيز ـ في ثورته الاصلاحية ـ يعيد العدل إلي مكانه بالتدريج أيضا.. فلقد بدأ ـ في رد المظالم ـ بنفسه.. ثم بزوجه.. ثم بأمراء بني أمية.. ثم عمم الإصلاح في الأمة جمعاء.. لقد أعلن : (( إن أهلي أقطعوني ما لم يكن لي أن آخذه, ولا لهم أن يعطونه )) , فكان القدوة والأسوة في إعادة العدل الاجتماعي إلي نصابه من جديد.. ولقد سلك في ذلك سنة التدرج, فكان في كل يوم يحيي سنة ويميت بدعة.. وفي ذلك قال المؤرخون له: مازال يرد المظالم منذ يوم استخلف إلي يوم مات.
وحتي مع هذا التدرج, فلقد واجه المصاعب الجمة والتحديات الشرسة من الذين احتازوا ثروة الأمة واحتكروها من دون الناس.. ولقد عبر عن الإصرار علي مواجهة هذه التحديات فقال: (( لو كان كل بدعة يميتها الله علي يدي, وكل سنة ينعشها الله علي يدي ببضعة من لحمي حتي يأتي آخر ذلك علي نفسي, كان في الله يسيرا!. ))
ولم يسلم الواقع الاجتماعي.. في عهد عمر بن عبد العزيز ـ من المتعجلين الذين يريدون تحقيق كل المقاصد دفعة واحدة, غير مدركين الحكمة العظيمة من وراء سنة التدرج في الإصلاح, وغير واعين بأن العجلة ربما هدمت مخطط الإصلاح وسلمه من الأساس!.. ولقد كان ابنه واحدا من هؤلاء المتعجلين, فقال لأبيه: (( يا أبت, مالك لا تنفذ في الأمور؟! فو الله لا أبالي في الحق لو غلت بي وبك القدور! )). وفي مواجهة منطق العجلة هذا جاء رد الخليفة العادل كاشفا عن الحكمة من وراء سلوك سنة التدرج في الإصلاح, فقال لابنه: (( لا تعجل يا بني, فإن الله تعالي ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة. وأنا أخاف أن أحمل الناس علي الحق جملة فيدعوه جملة, وتكون من بعدي فتنة!. ))
بل لقد كشف عمر بن عبد العزيز عن آفاق واسعة لإيمانه بسنة التدرج في الإصلاح, وذلك عندما أعلن أنه ـ في بعض الأحيان ـ يقدم إغراءات وحوافز مادية لتعيين الناس علي تحمل المشاق التي تفرضها عملية الإصلاح, فقال: (( إني لأجمع أن أخرج للمسلمين أمرا من العدل, فأخاف الا تحتمله قلوبهم, فأخرج معه طمعا من طمع الدنيا, فإن نفرت القلوب من هذا سكنت إلي هذا!. ))
> وكما صنع عمر بن عبد العزيز علي جبهة العدل الاجتماعي صنع علي جبهة الشوري, فعزم علي طي صفحة التوريث للسلطة, بإعادة الأمر شوري بين الناس.. وإذا كان الأجل لم يمهله ليصنع ذلك, فلقد أفتي فلاسفة معاصرون له بأن رضي الأمة عن هذا الخليفة العادل قد قام مقام الشوري والبيعة والاختيار له خامسا للخلفاء الراشدين.
هكذا استوت سنة التدرج في الاصلاح قاعدة متبعة.. وهكذا وضعت في الممارسة والتطبيق.
 و في العصر الحديث والواقع المعاصر.. وفي مواجهة المتعجلين الذين يظنون أن استكمال إسلامية المجتمعات الإسلامية إنما يتم دفعة واحدة, دونما حساب لتهيئة هذه المجتمعات, ودونما تكوين لآليات هذا الإصلاح.. في مواجهة هؤلاء المتعجلين, ذوي الإخلاص والنيات الحسنة, قال العلامة أبو الأعلي المودودي: إن الانجليز قد صرفوا قرنا كاملا في تبديل نظامنا القانوني. بدلوا نظام حياتنا أولا شيئا فشيئا, واعدوا رجالا يتفكرون ولا يعملون إلا حسب نظرياتهم وأفكارهم, وعملوا عملا متواصلا علي تغيير أذهان الناس وأخلاقهم ونظامهم الاقتصادي.. لقد وضعوا قوانينهم مكان القوانين القديمة, وغيروا نظام البلاد الاجتماعي. ونحن إذا كنا نريد إقامة الدولة الإسلامية, فلابد أن نتنبه للقاعدة الفطرية التي لا تقبل التغيير , وهي أنه لا يحدث الانقلاب في الحياة الاجتماعية الا بالتدريج, فكل انقلاب فوري متطرف يكون بددا, وإن الذين يظنون أن جميع القوانين القائمة ستلغي دفعة واحدة, وينفذ مكانها القانون الإسلامي فجأة بمجرد إعلان تغيير الحكومة, هم لا بصر لهم بالمسائل العملية. وما إحداث الانقلاب عندهم في النظام الاجتماعي إلا كلعبة الأطفال!. أو هم يتمنون أن يحصدوا زرعهم بعد غرسه علي الفور!.
هكذا استوي المنهاج الاسلامي في التدرج: سنة وقانونا.. وهكذا وضع هذا المنهاج في الممارسة والتطبيق ـ قديما.. وفي الفكر الاسلامي الحديث.

الخميس، 4 أكتوبر 2012

عصام سلطان: يسقط الإسلام السياسي .. ويحيا الفقر.. !!


عصام سلطان: يسقط الإسلام السياسي .. ويحيا الفقر.. !!

04/10/2012




عصام سلطان:

كانت الدكتورة أكاتبى، أستاذة العلوم السياسية فى اسطنبول، فى غاية الامتعاض بسبب صعود حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان إلى سدة الحكم، حين زارتنى فى مكتبى منذ عشرة سنوات، كانت متحفزة ومتوترة ومتشنجة، كانت تقطع بأن تركيا ستضيع، وسيُفرض الحجاب على النساء، وستصادر الحريات وستنهار الخدمات، وستعود تركيا إلى عصر الحريم ! وعليه فقد قررت مع زملائها النخبويين إعلان الحرب الإعلامية والدفع بالمظاهرات والإضرابات الفئوية لإفشال أردوغان، تمهيداً لإسقاطه، والقضاء على مشروعه ..
وحين التقيتها منذ أيام سألتها : هل تحققت نبوءتك ؟ فلم تُجب، فكررت السؤال، فالتفتت عنى، فحاصرتها بقولى مستطرداً : إننى لم أرَ فرضاً للحجاب على النساء عندكم، كما لم أرَ أى مصادرة للحريات، وكل ما رأيته خلال زيارتى الحالية أن حكومتكم بقيادة أردوغان قد استطاعت أن تقفز بالناتج المحلى من 230 مليار دولار إلى 747 مليار، ونصيب الفرد من 3500 دولار إلى 10000 دولار، والاحتياطى من 28 مليار دولار إلى 140 مليار، وزيادة نسبة الإنفاق الحكومى على الصحة إلى 225%، ورضا المواطنين عن الخدمة الصحية من 39% إلى 76%، وحتى المعاقين فقد ارتفعت نسبة الوظائف لهم من 10% إلى 38%، كل تلك القفزات حدثت خلال السنوات العشر التى حكمها الاسلام السياسى بقيادة أردوغان، بل الأغرب أن حكومتكم سَتُقْرِض صندوق النقد الدولى 5 مليار دولار !!! ألا ترين أنها إنجازات كبيرة فى مدة قليلة ؟
أجابت بحدة : أدرك ذلك جيداً فأنا أستاذة علوم سياسية، قلت إذن أين المشكلة ؟ إن معلوماتى أن حزب الشعب الذى تنتمين إليه أنتِ والنخبة المدنية المتحالفة مع العسكر، هو الذى صادر الحريات ومنع الحجاب بالجامعات وحظر الآذان وأذاق الشعب التركى ألوان الفقر والفساد والفشل لأكثر من ستين عاماً حكم فيها البلاد، ولولا صعود الاسلام السياسى لانتهت تركيا، ردَّت بصوتٍ محبط : نعم قلت لك أدرك ذلك جيداً، ولكنى لا أُطيق النظر إلى هؤلاء القادمين من حركات الاسلام السياسى، هؤلاء خطر على تركيا ! إننى أكرههم وأكره أفكارهم، يسقط الاسلام السياسى .. حينئذٍ لم أتمالك نفسى وهتفت وراءها .. ويحيا الفقر ..!!
هذا الحوار عن تركيا .. وليس عن مصر ..

الأحد، 30 سبتمبر 2012

الشيخ الغزالي‏..‏ أم كارل ماركس؟‏!‏


  بقلم: أ. د. محمد عمارة


تعداد المسلمين في العالم يقترب من ربع السكان ـ نحو مليار وسبعمائة مليون ـ وفي المسلمين أكبر نسبة من الفقراء في العالم‏..‏ وأكبر نسبة من اللاجئين‏..‏ بينما يكتنز أغنياؤهم أرقاما فلكية من الثروات‏,‏ التي توظف في دعم الاقتصادات الغربية‏,‏



أو التي تتم المقامرة بها في البورصات!.. ولقد بلغ التفاوت في الدخل السنوي بين الأغنياء والفقراء وفي عالم الأسلام ـ بين نحو أربعين ألف دولار ومائة دولار فقط لا غير! وهناك من يموت من التخمة, ومن يبيع عقيدته لقاء كسرة خبز أو جرعة دواء!.
لذلك, كانت العدالة الاجتماعية هي أولي الفرائض الغائبة في بلاد الإسلام.. ولقد احتلت هذه القضية مكان الصدارة لدي عدد كبير من رموز الحركة الإصلاحية الاسلامية من جمال الدين الأفغاني.. ومحمد عبده.. وحسن البنا.. وحتي الشيخ محمد الغزالي.. ومن بعده سيد قطب, لقد جعل الشيخ الغزالي رحمه الله ـ من قضية العدل الاجتماعي أولي معاركه الفكرية, التي أفرد لها أول مؤلفاته: الإسلام والأوضاع الاقتصادية 1947, وكان سيد قطب أول من لفت الأنظار الي هذا الكتاب.
ولأن هذه القضية قد غابت ـ أو كادت ـ عن برامج الأحزاب الإسلامية المعاصرة, كان من الواجب تذكيرهم ببعض ما كتب الغزالي في هذا الموضوع.. لقد قال:
لقد رأيت ـ بعد تجارب عدة ـ أنني لا أستطيع أن أجد بين الطبقات البائسة الجو الملائم لغرس العقائد العظيمة, والأعمال الصالحة, والأخلاق الفاضلة!!.. انه من العسير جدا أن تملأ قلب إنسان بالهدي اذا كانت معدته خالية, أو أن تكسوه بلباس التقوي اذا كان جسده عاريا!.. انه يجب أن يؤمن علي ضروراته التي تقيم أوده كإنسان, ثم ينتظر بعدئذ أن تستمسك في نفسه مبادئ الإيمان.. لذلك, لابد من التمهيد الاقتصادي الواسع, والاصلاح العمراني الشامل, اذا كنا مخلصين حقا في محاربة الرذائل والمعاصي والجرائم باسم الدين, أو راغبين حقا في هداية الناس لرب العالمين..
إن بعض ذوي الآفاق المغلقة يتوهمون أن ادخال العوامل الاقتصادية في الرذائل والفضائل جنوح الي التفكير الشيوعي القائم علي النظرة المادية المحضة للحياة, واستهانة بالقوي الروحية السمية.. وهذا التوهم خاطئ, فلسنا نغض من قيمة الجانب الروحي.. بيد أن ذلك لا يعني اغفال المشاهد المحسوسة, من تولد الرذائل الخطيرة في المجتمعات المصابة بالعوز والاحتياج, بل ان الاضطراب الاقتصادي في أحوال كثيرة جدا قد يكون السبب الأوحد في نشوء الرذيلة وشيوعها, والحديث النبوي الذي يلمح فيه نبي الاسلام ـ صلي الله عليه وسلم ـ الي أن المعاصي توقع فيها الضوائق المادية ـ حديث: [ إن المدين قد تلجئه قلة الوفاء الي الكذب ].. يضع أيدينا علي طرف الحقيقة التي بدأ الناس يفهمونها الآن كاملة!
إن بقاء كثير من الناس صرعي الفقر والمسكنة, هو هدف أكثر الحكومات المتتابعة, في العصور السابقة واللاحقة, إذ إن تجويع الجماهير هو بعض الدعائم التي تقوم عليها سياسة الظلم والظلام, ومن هنا انتشر الفقر في الشرق, وسخر الدين ورجاله لحمل الناس علي قبوله واستساغته, وفسرت نصوص الدين المتصلة بهذا المعني تفسيرا مستقيما, نسي الناس معه حقوقهم وحياتهم, وجهلوا دنياهم وأخراهم, وحسبوا الفقر في الدنيا سبيلا الي الغني في الآخرة!!
إن هدف الديانات والرسالات هو قيام التوازن بين الناس بإقامة العدل الاجتماعي والسياسي فيهم.. وقيام الناس بالقسط ـ) العدل (ـ هو محور الارتكاز الذي لا يتغير أبدا, وقد قال بعض علماء الأصول: إن مصالح الناس المرسلة, لو وقف دون تحقيقها نص تم تأويل النص, وأمضيت المصالح التي لابد منها وللحكومة ـ من وجهة النظر الدينية ـ أن تقترح ما تشاء من الحلول, وأن تبتدع ما تشاء من الأنظمة لضمان هذه المصلحة, وهي مطمئنة الي أن الدين معها لا عليها ما دامت تتحري الحق, وتبتغي العدل, وتنضبط بشرع الله فيما تصدره من اقتراحات وقوانين.
إن المال الذي يكفي لإذهاب الغيلة, واستئصال الحرمان, وإشاعة فضل الله علي عباده, يجب اخراجه, مما عظم ـ من ثروات الأغنياء, ولو تجاوز بعيدا مقادير الزكاة المفروضة, لأن حفظ الحياة حق إسلامي أصيل, ومقادير الزكاة ليست إلا الحد الأدني لما يجب إنفاقه, وقد ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم ـ[ إن في المال حقا غير الزكاة ]ـ رواه الترمذي. وبعد هذا التحليل الاجتماعي الإسلامي للقضية الاجتماعية..
وبعد عرض فلسفة الإسلام في الثروات والأموال.. وضع الشيخ الغزالي برنامجا اجتماعيا واقتصاديا ـ سبق به الحزب الشيوعي المصري وطالب الحكومة بتنفيذه, لإقامة العدل بين الناس.. وفي هذا البرنامج طالب ودعا إلي:
1 ـ تأميم المرافق العامة, وجعل الأمة هي الحاكمة الأولي لموارد الاستغلال, وإقصاء الشركات المحتكرة لخيرات الوطن, أجنبية أو غير أجنبية, وعدم إعطاء أي امتياز فردي من هذا القبيل.
2 ـ تحديد الملكيات الزراعية الكبري, وتكوين طبقة من صغار الملاك تؤخذ نواتها من العمال الزراعيين.
3 ـ فرض ضرائب علي رؤوس الأموال الكبري, يقصد بها تحديد الملكية غير الزراعية.
4 ـ استرداد الأملاك التي أخذها الأجانب واعادتها الي أبناء البلاد, وتحريم تملك الأرض المصرية علي الأجانب تحريما مجرما.
5 ـ ربط أجور العمال بأرباح المؤسسات الاقتصادية التي يعملون بها, بحيث تكون لهم أسهم معينة مع أصحابها في الأرباح.
6 ـ فرض ضرائب تصاعدية علي التركات تنفق في أوجه الخير علي النحو الذي أشار إليه القرآن, إذ يقول: واذا حضر القسمة أولو القربي واليتامي والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا ـ [سورة النساء : أية 8 ]
ثم ختم الشيخ الغزالي بنود هذا البرنامج الاجتماعي الاقتصادي بقوله: إنه لو لم يبق لكل فرد من أفراد الشعب إلا قوته الضروري لما جاز أن تتراجع الدولة في تحقيق هذا البرنامج الذي تعلن به الحرب علي الظلم والجهالة والاستعمار.
هكذا تحدث الشيخ الغزالي حديث الفيلسوف الاجتماعي والخبير الاقتصادي, الذي تربي في مدرسة القرآن والذي أعلن أن مالك المال هو الله, وأن الناس ـ كل الناس ـ مستخلفون في هذا المال, وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه] ـ [ سورة الحديد: أية 7 ], لقد ثار الشيخ الغزالي ضد ترك الأمة أموالها ـ وأموال الله للسفهاء ـ مع أن القرآن ينهي عن ذلك, ويقول:, { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل لكم قياما} ـ[سورة النساء: أية 5 ]
لقد كان الشيخ الغزالي واحدا من فلاسفة العدل الاجتماعي في القرن العشرين.. ولقد قال قبل وفاته: إن عندنا في الإسلام نظريات اقتصادية لو عرفها الأوروبيون لطلقوا كارل ماركس وداسو عليه بالنعال ـ كما فعلوا الآن, وأن النظام الرأسمالي المنتعش الآن ستهلكه جراثيمه وتلحقه بالنظام الشيوعي!
فهل تولي الأحزاب الإسلامية الاهتمام بالعدل ـ الذي هو اسم من أسماء الله ـ بدلا من حديث البعض عن العقوبات, والعقوبة ليست من أسماء الله؟!

السبت، 11 فبراير 2012

د. صفوت حجازى يكتب: من حقنا أن نغضب 

 



السبت 11 فبراير 2012

من حقنا أن نغضب، فحتى الآن لا توجد محاكمات ناجزة وعادلة وشفافة لقتلة الشباب فى أثناء الثورة وفى ماسبيرو وفى محمد محمود وفى مجلس الوزراء، وأخيرا فى بور سعيد، فمن حقنا أن نغضب ونعبر عن غضبنا، والمجلس العسكرى بصفته المسئول عن إدارة شئون البلاد فى الفترة الانتقالية هو المسئول سياسياً عن تلك الأحداث، فى حين يملك أن يبرئ ذمته بتقديم المتورطين فى هذه الأحداث للمحاكمة. فإن كان يعلم المتورطين ولا يعلن عنهم فتلك مصيبة، وإن كان لا يعلمهم فالمصيبة أكبر. من حقنا أن نغضب فمازال النائب العام الذى عينه مبارك موجودا، من حقنا أن نغضب فمازال المئات من أباطرة الحزب الوطنى وممن أفسدوا حياتنا أحرارا بل يمارسون فسادهم، من حقنا أن نغضب فمازال الإعلام بنفس الوجوه الصفراء صاحبة المصالح والأجندات لا يستحون، من حقنا أن نغضب فمازال مبارك يحاسب فى قضايا الكسب غير المشروع.. من حقنا أن نغضب فمازال الغاز يصدر إلى إسرائيل، من حقنا أن نغضب فمازالت أمريكا تمنحنا معونة وتعطى جيشنا معونة وتتحكم فى قرارنا، من حقنا أن نغضب فما زال صندوق النقد والبنك الدولى يبحث فى اقتصادنا ويستعمرنا من جديد، والمجلس العسكرى هو المسئول.
أما الحديث عن ثورة جديدة فهو إهدار لدماء الشهداء، لسنا فى حاجة إلى ثورة جديدة، فلم تفشل ثورتنا لنصنع ثورة جديدة، ولم يتول نظام جديد فاشل فنحتاج لثورة جديدة تقضى عليه، إنما نحن فى حاجة إلى استكمال ثورتنا التى لم تقضِ على النظام القديم كله، والثورات العظيمة تحتاج إلى وقت لتحقيق كل أهدافها.
أما الحديث عن عصيان مدنى وإضراب عام، فلا أراه فى مصلحة بلادنا ولا فى مصلحة ثورتنا، فى ظل هذا الوضع الاقتصادى والأمنى الذى نحن فيه، لا أدعو إلى هذا العصيان ولن أشارك فيه، رغم غضبى الشديد، وأدعو جميع المصريين إلى عدم المشاركة فيه.
الثوار لم يصلوا إلى السلطة. ولا يريدون، إنما يريدون أن يستكملوا أهداف ثورتهم، ويحققوا لمصر الخير، ليس مهماً من يحكم، المهم أن يكون مدنيا جاء من الشعب عبر صندوق نزيه، يحكمنا كواحد منا وفقا لدستور ارتضيناه، يحقق لنا العدل والحرية.
ليست الثورة ولا الثوار سببا فيما نحن فيه من عدم استقرار، فثورة وثوار لا يحكمون فلا يسألون.
المجلس العسكرى هو المسئول مسئولية كاملة عما نحن فيه هتفنا كثيرا فى الميدان (الشعب والجيش إيد واحدة) رفعناهم فوق الأعناق، ولا ننسى اللواء محسن الفنجرى وهو يؤدى التحية العسكرية للشهداء.
كان يمكن أن يبقوا فى قلوبنا أنوارا مضيئة، كان يمكن أن يبقوا فوق الأعناق. دعونى أستعير بعض الجمل من محمد بركة "كان بإمكانهم أن يصبحوا الغصن الأخضر الذى تحط عليه عصافير الحرية.. كان بإمكانهم أن يكونوا القمر الذى يرسل ضوءه الفضى ليضىء ملامح الغاضبين.. وطوق الياسمين الذى تعلقه حرائر مصر فى نحورهن.. وحمامة بيضاء تملأ بأجنحتها سماء مصر سلما وأمنا وأمانا". 
من المؤكد أن المجلس العسكرى خسر محبة الكثيرين ممن حملوا أرواحهم على كفوفهم وخرجوا يصنعون حلما ورديا.. ينثرون عطر الحرية على جنود الجيش المصرى.. هؤلاء الرومانسيون الذين تخضبوا بدماء إخوانهم وزملائهم لا يبيعون عطر دمائهم.. بالتأكيد خسرتم محبتهم.. كانت البداية عظيمة بعظمة مصر: متظاهرون جعلوا من جنازير الدبابات فراشهم الدافئ، وعناق حار بين الأفرول الكاكى والجلابية، وصرخة مشتاقة إلى الحنو الأبوى تهتف: مصر مصر تحيا مصر.
يجب على جنرالات الجيش أن يسألوا أنفسهم، ما أسباب أن يتحول هتاف الشباب "الشعب والجيش إيد واحدة" إلى "يسقط يسقط حكم العسكر"؟
الشعب الطيب طيبة النيل، الدافئ بأحضانة دفء الأحباب، الشامخ بالإيمان يعانق السماء، سماء مصر المملؤة بحمام أبيض من قلب الريف من أرض النيل من أرض دنشواى.
لن تضيع ثورتنا، وسننجح وننال حريتنا، لن نحرق مصرنا، لن نتنازل عن سلمية ثورتنا، لن نهين جيشنا، وسيرحل العسكر، شاءوا أم لم يشاءوا فهم راحلون. أقرب مما تتخيلون.
ثورتنا ثورة شعب.. وعاشت مصر.