مصر الثورة





سوريا نحن معكم




with you syria

[IMG]http://shams-d.net/up//uploads/images/domain-b9caecbbc3.png[/IMG]




‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل

السبت، 23 مارس 2013

هل أضاع المماليك الجدد قضية فلسطين ؟؟ هام للغاية

هل أضاع المماليك الجدد قضية فلسطين ؟؟هام للغاية

4 يناير 2009





البعض يظن أن الذين انقلبوا على الملكية في مصر  أواسط القرن العشرين حققوا الانجازات الكبرى لقضية فلسطين وأنهم أكثر من خدم العروبة وقضاياها ..ولكن هل ذلك بصحيح ؟.. 
حينما نرجع الى أحداث ونتائج حرب 1956 يدعي بعض الكتاب أنه كان من نتائج الحرب أن قناة السويس وصحراء سيناء وقطاع غزة أصبحوا في يد مصر وتحت سيطرتها , فأصبح انتصار مصر متكامل في هذه المرحلة , ولكن يجدر بنا أن نتأكد من صدق هذه المعلومات وهل هي صحيحة أم لا ؟ 
إن أهداف اسرائيل قد تحققت ؛ فكان منها فتح مضيق تيران , وخليج العقبة للملاحة الاسرائيلية . ووقفت القدرة العسكرية المصرية  , ونزع سلاح قطاع غزة والأعمال الفدائية , وتحييد مصر لأطول فترة ممكنة ..حينها وصفت جولدا مائير  حرب 56 بأنها : (( حرب حق الوجود ))! , وحرب 67 هي (( حرب حق الهيمنة )) .., الا أن الأهداف للأسف قد تحققت بالكامل !!! 
لقد ذهب عبدالناصر في نوفمبر 1956 ويبكي على حطام جيشه ليرى بنفسه نتائج الهزيمة , فيبكي ويقول : (( هزمني جيشي )) .

·      فالهدف الأول لأسرائيل وقتها قد تحقق وهو تدمير قوة الردع المصرية :    
لم يكن الجيش المصري وقتها على أهبة الاستعداد للقاء العدو الاسرائيي رغم معرفة القيادة المصرية بتسليح الجيش الاسرائيلي , وعقده صفقة مع فرنسا للحصول على سلاح لمواجهة الجيش المصري وكل هذا قبل حرب 1956 بالتحديد في نهاية شهر يونيو , وقت أن كان يقول موشي ديان : (( نحصل على سلاح يمكنا من مواجهة نوعية السلاح المصري الجديد ان لم يكن بحجمه )) فكل هذا التسليح والاستعداد الاسرائيلي سابق على تأميم القناة وليس لاحقا عليه…وبالتالي فإن تأميم القناة ليس مسمار جحا التي تعفي القيادة المصرية من مسؤولية الهزيمة .
·  الهدف الثاني الذي تحقق تأمين حركة الملاحة البحرية الى ميناء ايلات ومنها الى خارجها .
·      الهدف الثالث : تم وقف العمليات الفدائية من قطاع غزة . 
وكان من نتائجها أن وضع البوليس الدولي في سيناء وتم تجميد الحدود بين مصر واسرائيل لمدة عشر سنوات …فيقول موشي ديان : (( لقد تحققت أهداف اسرائيل الثلاثة من الحملة :
1 – حرية الملاحة الاسرائيلية في خليج العقبة . 
2 – نهاية الارهاب ( العمليات الفدائية ) . 
3 – تم تجميد خطة الهجوم المشترك المصري – السوري – الأردني على اسرائيل وقبل وضع حد للإرهاب ضدها  
وفي هذا يقول أيضا :(( لم يكن بن جوريون مفتونا بفكرة ضم قطاع غزة أو شبه جزيرة سيناء , بل كل ما كان يريده هو السيطرة على الساحل الغربي لخليج العقبة ومضيق تيران أي شرم الشيخ فلو فتح المضيق للملاحة الاسرائيلية لأصبحت ايلات ميناء كبيرا وهذا يعني الحياة لكل النقب )) 
وقد أبلغ بن جوريون الوفد الاسرائيلي المسافر لفرنسا لعقد الصفقة بالتوجيهات الآتية
1 - اسرائيل لن تشن حربا بمفردها . 
2 - هدفنا السيطرة على الشاطئ الغربي لخليج العقبة لضمان الملاحة الاسرائيلية في الممر المائي وربما نفكر في نزع سلاح شبه جزيرة سيناء ولو تحت اشراف قوة دولية  
وقال الفرنسيون لليهود (( اذا ما سيطرتم على مضايق تيران فيمكنكم مد خط انابيب من ايلات الى البحر الأبيض ))
هذا ما حدث بحذافيره   
[ موشي ديان : قصة حياتي ص 276]

وبعد أن قابل موشي ديان رئيسه بن جوريون بعد عودته من باريس فقال له ديان : (( وفي نهاية الحديث صدر الى الأمر بأن أكون مستعدا للاستيلاء على تيران لتأكيد حرية الملاحة الاسرائيلية في خليج العقبة والبحر الأحمر ))
ونتيجة للاعلام المضلل خلال فترة حكم الطاغية جمال عبدالناصر وتخدير الناس بالشعارات  الجوفاء يتم نسيان هذه الأشياء وتعتبر أن القيادة المصرية في فترة الخمسينيات حققت لفلسطين ما هو مطلوب . في حين أن الجيشين السوري والأردني تحت معاهدة عسكرية مشتركة ! هما تحت امرته – أي الجيش المصري - و بقيادة المشير عبدالحكيم عامر وقتها كانت الجيوش الثلاثة وضعها أفضل من اسرائيل بمئات المرات على عكس ماكان في حرب 67 …هذا من ناحية ومن ناحية أخرى  : كانت اسرائيل موقفها دوليا أكثر سوءا لأنها المعتدية باتفاق العالم وادانة أمريكا ….

ورغم ذلك لم يصدر أمر من القيادة العسكرية المصرية بضرب اسرائيل وفي عام 1955 بعدما خرج بن جوريون من مستعمرة

سد بوكر   بالنقب ..ليستعد للمواجهة مع مصر يأتي على لسان السيد حسنين هيكل الصديق الصدوق لحاكم مصر ويقول بالنص : (( كان عبد الناصر يقول أنه لايشغل نفسه باسرائيل , وانما يركز على التنمية الداخلية في مصر وأنه لذلك خفض ميزانية القوات المسلحة بخمسة ملاين جنيه عن السنة الماضية , لأعتقاده كما قال عبدالناصر نفسه ..ان اسرائيل ليست خطرا على مصر الا لأن مصر ضعيفة اقتصاديا ً واجتماعيا ً ))
[ هيكل : قصة السويس ص 22 ]
وعلى هذا فإن عبد الناصر لايفكر وقتها في مواجهة مع اسرائيل , لا من جانبه ولا حتى اذا أعلنت اسرائيل بذاتها المواجهة . وهذا ما أدى اليه خفض ميزانية القوات المسلحة ولنفس الأسباب تحدث الهزيمة الثانية في عام 1967 , ومن ضمنها قرار إلغاء الدُشم التي تحمي الطائرات , لتوفير النفقات اللازمة لحرب اليمن .. وحينها – أي حرب 67 – تضرب الطائرات المصرية وهي على الأرض وليست محلقة في الجو .
وكما قلنا آنفا من نتائج ذلك الأمر دخول البوليس الدولي في سيناء وتجميد الحدود عشر سنوات  أي بين عامي [ 1956 – 1966 ], وذلك يثبت عكس مايقال أن البوليس الدولي أول مادخل في فترة السبعينيات  بعقد اتفاقية السلام أو ما عرف بكامب ديفيد

فالبوليس الدولي دخل سيناء أول مرة في أعقاب حرب 1956  
وهناك اتفاقية سرية بين مصر وأمريكا لتجميد الحدود عشر سنوات . 
ومن نتائج هذه الأحداث التاريخية :
أخذت اسرائيل في بناء ميناء ايلات وخط أنابيب ينقل النفط من ايلات على البحر الأحمر الى أسدود على البحر الأبيض , فأصبحت اسرائيل بمينائها الجديد ترتبط بأفريقيا ودول آسيا بعد أن كانت معزولة , وأصبح خط الأنابيب الخاص بها ينافس خط
التابلاين الذي ينقل النفط السعودي وخط الآي بي سي الذي ينقل النفط العراقي . 
بالنسبة لخليج العقبة الذي يبلغ طوله مائة ميل , وأوسع مناطقه 17 ميلا ومدخله 9 أميال ..تسده جزيرتان ( تيران – صنافير ) , وهما سعوديتان وتقعان داخل الثلاثة أميال ..فجزيرة تيران تقسمه الى فتحة سعودية تملأها الصخور وفتحة مصرية عرضها 4 أميال بها ممران والممر الوحيد الصالح للملاحة هو الممر المصري القريب من شرم الشيخ وراس نصراني ..ويصرح وزير الحربية وقتذاك  - في العهد الملكي - مصطفى نصرت     ( حكومة الوفد ) :  

(( أن تزايد نشاط اسرائيل على ساحل ايلات قد اضطرنا الى تدعيم قواتنا المصرية في منطقة مدخل خليج العقبة , فأرسلت قوات مناسبة الى راس نصراني لتتحكم تحكما تاما في هذا المدخل )) .
ملاحظة :- حكومة الوفد التي كان يطلق عليها في ذاك الوقت  -  الملكي – بأنها حكومة رجعية أغلقت الخليج  في وجه اسرائيل , وحكومة مابعد 1952 فتحته ……!!

ماجرى بعد ذلك يثبت أن تحول ميناء ايلات الى ميناء عالمي واستعاضت به اسرائيل عن قناة السويس لنقل البضائع والبترول من آسيا وأفريقيا وأوروبا , وأدخلت تحسينات كبرى على الميناء وقامت بتوسيعه وتقسيمه الى ثلاثة أقسام :

1 – قسم شمالي : يختص بشحن وتوزيع البضائع . 

2 – قسم أوسط : يتم فيه تخزين البضائع 

3 – قسم جنوبي : وهو ميناء للبترول ويصلها البترول الخام ويدفع به الى معامل التكرير بحيفا .

بعد أن تم فك الحصار عن مضيق تيران عملت اسرائيل على مد خط أنابيب للبترول من ايلات الى معامل التكرير الى حيفا كما قيل سلفا ..فقبل 56 : (( كانت اسرائيل تنتج حوالي 10 % مما تحتاجه من البترول وتستورد ماتحتاجه كمصدر للطاقة ولصناعة البتروكيماويات من ايران , فأنشأت اسرائيل خط الأنابيب بعد 1956, وتم انجازه على ثلاث مراحل :
من ايلات الى بير سبع , ويبلغ طوله 240 كيلومترا , وقطره 8 بوصات , وتم انجازه في منتصف شهر ابريل 1957 . ومن بير سبع الى أسدوديام , ويبلغ طوله 77 كيلو مترا , وقطره 8 بوصات لمسافة 15 كيلومترا و 16 بوصة لمسافة 62 كيلو مترا . ومن اسدوديام الى حيفا , ويبلغ طوله 139 كيلو مترا , وقطره 16 بوصة . وقد انتهى العمل فيه في منتصف يوليو 1958 . ومنذ منتصف شهر مايو 1959 بدأ انشاء خط النفط الدولي بين ايلات وحيفا .
[ ((خليج العقبة ومضيق تيران )) لعبدالباري نجم ص 114]

نتج عن ذلك أن زادت الاستثمارات الاسرائيلية ودعمت أنشطة كثيرة في الميادين العسكرية والاقتصادية والثقافية , وفتحت أسواق رائجة داخل اسرائيل للحاصلات الزراعية والمنتجات الصناعية .

وأخيرا …تم منع الجيش المصري من دخول غزة ونزع سلاحه ووقفت العمليات الفدائية : وفي ذلك تقول جولدا مائير : (( زال رعب الفدائيين …تقررت الملاحة في مضيق تيران , وقوات الطوارئ تحركت الى قطاع غزة وشرم الشيخ , وكسبنا نصرا جعل التاريخ العسكري يثبت مرة أخرى قدرتنا على حمل السلاح للدفاع عن أنفسنا. ))

((اقتباس )) انظر كتاب الأستاذ محمد جلال كشك (( كلمتي للمغفلين ..عن الناصرية ..والأمريكان .. ومعركة سيناء ..والسودان ..والوحدة )) ط اولى 1985 ص 287, 288 , 290, 291, 303 , 304 , 305 , 306 , 308, 309, 310 , 311 , 312 , 313 , 314     


الخميس، 15 نوفمبر 2012

هل للصهيونية حق في القدس الشريف؟

 



هل للصهيونية حق في القدس الشريف؟

  بقلم:ا. د / محمد عمارة – المفكر الاسلامي الكبير وعضو مجمع البحوث الاسلامية وهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف .

 

مع تسارع وتيرة التهويد الصهيوني لمدينة القدس‏,‏ والإجهاز علي الوجود العربي فيها تعلن إسرائيل ـ بكل وسائل الإعلان ـ أن القدس هي العاصمة الأبدية للدولة اليهودية, بل ولكل اليهود في مختلف بلاد الدنيا!

وفي مواجهة هذه الدعاوي التي تجد لها أنصارا كثيرين في الغرب ـ الديني والسياسي علينا أن نعرض الأمر علي حقائق التاريخ, لنمتلك نحن ـ أولا ـ سلاح الوعي بالتاريخ في هذه المعركة الكبري, ولندعو الأخرين إلي الاحتكام للحقائق بدلا من الأساطير والأكاذيب.
> إن عروبة القدس تضرب في أعماق التاريخ ستين قرنا ـ أي ستة آلاف عام ـ فلقد بناها العرب اليبوسيون ـ وهم من بطون العرب الأوائل الذين نزحوا من الجزيرة العربية ـ بنوها في الألف الرابع قبل الميلاد, وسموها باسمهم ـ يبوسي ـ.. ولقد شهد هذا الاسم الأول لهذه المدينة ـ التي تعددت اسماؤها علي مر التاريخ ـ علي أصالتها العربية, وعلي أن عمرها العربي وعمر عروبتها إنما يعود إلي أربعة آلاف عام قبل الميلاد ـ أي40 قرنا ـ.. فإذا أضيف إلي هذا العمر القديم القرنان اللذان مرا بعد الميلاد, كان عمر هذه المدينة المقدسة اليوم قد تجاوز ستين قرنا.
> واذا كانت أرض كنعان ـ أي أرض الفلسطينيين ـ والكنعانيون هم عرب كذلك ـ هي التي رحل إليها وتغرب فيها أبو الأنبياء إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ فإن تاريخ وجود أبي الأنبياء وتاريخ رحلته إلي أرض كنعان ـ أرض الفلسطينيين ـ هو القرن التاسع عشر قبل الميلاد.. أي أن عروبة القدس سابقة في التاريخ علي عصر أبي الأنبياء إبراهيم ـ عليه السلام ـ بواحد وعشرين قرنا.
> وإذا كان المتدينون بالديانات السماوية الثلاث ـ اليهودية, والنصرانية, والإسلام ـ يؤمنون بقداسة مدينة القدس, وبأن الله ـ سبحانه وتعالي قد بارك فيها وحولها, فإن هذه المباركة الالهية لم تبدأ بعصر أبي الأنبياء ورحلته إلي أرض كنعان ـ أرض الفلسطينيين ـ وإنما سبقت هذه المباركة ذلك التاريخ.. ولعل الله ـ سبحانه وتعالي قد شاء أن ينجي إبراهيم ولوطا عليهما السلام ـ إلي هذه الأرض, لأنه ـ سبحانه ـ قد سبق وبارك فيها: (ونجيناه ولوطا إلي الأرض التي باركنا فيها للعالمين) ـ الأنبياء: 71 ـ.. فهي أرض مباركة قبل لجوء أبي الأنبياء إليها, وتغربه فيها.. وهذه المباركة الإلهية لهذه الأرض قد جعلها الله للعالمين, وليس لفريق دون فريق, فهي مباركة لدي كل الذين يؤمنون بالله, ولدي كل الذين يؤمنون بالنبوات التي انحدرت من نسل ابراهيم, والذين ينتسبون إلي ملته.. عليه السلام..
> وإذا كان كليم الله موسي عليه السلام ـ هو الذي بدأت به اليهودية, ونزلت عليه التوراة بشريعتها ـ إذ اليهودية هي شريعة موسي فإن موسي كما يشهد التاريخ ويعرف الجميع.. قد ظهر في القرن الثالث عشر قبل الميلاد.. أي أن بناء العرب اليبوسيين لمدينة القدس ـ يبوسي.. قد سبق ظهور موسي وظهور اليهودية بسبعة وعشرين قرنا ـ أي بما يقرب من ثلاثة آلاف عام..
> واذا كان موسي رسول اليهودية ـ كما يشهد التاريخ ويعرف الجميع ـ قد ولد بمصر, وفيها نشأ وتعلم, وتربي وتثقف في قصر فرعون بثقافة مصر ولغتها الهيروغليفية.. وفي مصر بعث موسي, ونزلت عليه التوراة بالهيروغليفية ـ لغته ولغة قومه الذين كانوا يعيشون بمصر منذ قرون ـ ولغة فرعون الذي أرسل إليه موسي (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم).. ابراهيم:4 ـ.. ويومئذ لم تكن اللغة العبرية قد وجدت بعد, إذ العبرية ـ في الأصل ـ لهجة من اللهجات الكنعانية, تطورت وأصبحت لغة بعد غزو بني اسرائيل لأرض كنعان ـ بقيادة يشوع بن نون (1250 ـ1200 ق. م) واستعمارهم أجزاء من هذه الأرض العربية استعمارا استيطانيا ـ بعد إبادة سكان تلك الأجزاء التي استعمروها ـ كما تحكي ذلك أسفار العهد القديم..
> وإذا كانت أسفار العهد القديم تعترف بأن موسي قد مات ودفن بأرض مصر ـ في سيناء ـ فمعني ذلك أن هذا النبي الكريم لم تر عينه القدس, ولم تطأ قدمه أرض فلسطين.. وأن توراته وشريعته لا علاقة لهما بالقدس ولا بفلسطين.
> وأمام حقائق هذا التاريخ, يبرز السؤال: إذن ماهي حجة الصهيونية ـ وأنصارها ـ علي أن القدس يهودية, وعلي أنها العاصمة الأبدية للدولة الصهيونية؟!
إن عمدة الأدلة التي تحتج بها الصهيونية علي امتلاك اليهود وحدهم, ودون غيرهم, مدينة القدس, وعلي تهويدها واحتكارها, وجعلها بيت اليهود وحدهم من دون العالمين.. إن عمدة الأدلة.. والدليل العمدة ـ الذي يقدمونه هو ما جاء في سفر التكوين.. بالعهد القديم.. حول ما أسموه وعد الله لإبراهيم ـ عليه السلام ـ بامتلاك الأرض المقدسة له ولذريته من بعده, الأمر الذي يجعل المناقشة المنطقية لنصوص هذا الوعد السبيل لتمييز الحق من الباطل, والفصل بين الهدي والضلال.. وإن سبيلنا لكشف الحقيقة في هذا الموضوع ليست انكار هذه النصوص, وإنما كشف ما فيها من تناقضات تدفع بها إلي الانهيار!..
1 ـ فالنص الأول ـ من هذه النصوص الأربعة ـ. يقول: فقال الرب لأبرام ـ بعد اعتزال لوط له ـ: ارفع عينيك وانظر الموضع الذي أنت فيه شمالا وجنوبا وغربا, لأن جميع الأرض التي أنت تري أعطيها لك ولنسلك إلي الأبد ـ( تكوين13:14:15).. فالوعد في هذا النص ـ بالأرض التي يحدها بصر ابراهيم ـ عليه السلام ـ.
2 ـ أما النص الثاني فيقول: واجتاز أبرام في الأرض من مكان شكيم إلي بلوطة مورة, وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض, وظهر الرب لأبرام وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض, فبني هناك مذبحا للرب الذي ظهر له ـ( تكوين12:7,6).
فالوعد ـ في هذا النص ـ بالأرض التي بني فيها إبراهيم مذبحا للرب, أي أرض بلوطة مورة ـ حيث ظهر له الرب ـ فقط لاغير!.
3 ـ أما النص الثالث فإنه يقول: وتكلم الرب معه ـ( أبرام) ـ فقال: لا يدعي بعد اسمك أبرام, بل يكون اسمك ابراهيم.. وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض عزبتك, كل أرض كنعان ملكا أبديا ـ تكوين 17:8,5,3.
فالأرض الموعودة هنا كل أرض كنعان.
4 ـ أما النص الرابع فإنه يقول: في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقا قائلا: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلي النهر الكبير نهر الفرات( تكوين15:18) ـ.
تلك هي النصوص الأربعة, التي تكون الدليل العمدة للصهيونية اليهودية في القدس وفلسطين وهي نصوص مليئة بالتناقضات في تحديد الأرض الموعودة.. فمرة تجدها حدود بصر ابراهيم.. ومرة هي كل أرض كنعان.. ومرة هي أرض بلوطة مورة.. ومرة هي ما بين النيل والفرات!!
فهل تصلح هذه الأساطير المتناقضة حجة تواجه حقائق التاريخ ـ الصلبة والعنيدة ـ التي تقول إن القدس عربية, وأن عروبتها تضرب في أعماق التاريخ ستين قرنا.. وأن عروبتها هذه ـ وأيضا قداستها ـ سابقة علي عصر إبراهيم ـ الذي عاش في أرض كنعان غريبا لا يملك موضع قبر لزوجه سارة ـ كما يقول العهد القديم.. وسابقة علي عصر موسي واليهودية بعشرات القرون؟!
إنها الحقائق التي تدحض الأساطير والأكاذيب.

السبت، 3 نوفمبر 2012

د. محمد عمارة يكتب: أسلافنا .. والوَحْدة الوطنية



 
د. محمد عمارة يكتب: أسلافنا .. والوَحْدة الوطنية

السبت 03 نوفمبر 2012

بقلم : ا.د/ محمد عمارة – المفكر الاسلامي الكبير و عضو مجمع البحوث الاسلامية وهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف .

إيمان هذه الأمة بالوَحْدة الوطنية والقومية إيمانٌ راسخ لا شك فيه، بل لقد رأت- ببصيرتها النافذة وحسها الفطري- أنَّ الشقاقَ الطائفي كان على مرِّ تاريخها الثغرةَ التي يحاول أعداؤها النفاذ منها؛ بحثًا عن الركيزة التي تضمن لاستعمارهم واستغلالهم الفعاليةَ والاستمرارَ!.


 
أحمد عرابي                   جمال الدين الأفغاني                    محمد عبده

وأوضح ما كانت وتكون يقظةُ أمتنا لهذه الحقيقة في لحظات المحن والمواجهة مع الأعداء.
ففي مصر مثلًا أثناء الثورة العرابية (1881م-1882م) كانت أوروبا الاستعمارية وإنجلترا بالذات تسعى لشق وَحْدة الصف الوطني، الذي ارتفع متينًا وشامخًا خلف أحمد عرابي (1257-1329هـ/1841-1911م)، وفي مواجهة هذا المسعى الاستعماري كانت يقظة الشعب والثورة، التي تجلت في وحدة طوائف الأمة، على نحو لا مثيل له في غير مجتمعاتنا العربية التي تنعم بسماحة دين الإسلام.
فعندما انحاز الخديوي توفيق (1269-1309هـ/1852-1892م) وأعوانه إلى الإنجليز الغزاة- رفض الشعب الاستسلام، وخلع عن سلطة الخديوي شرعيتها، وتجسدت إرادة الشعب يومئذ في "برلمانه الثوري"، الذي سُمِّي بـ"المجلس العرفي"، وفيه تجسدت وحدة الشعب الوطنية والقومية كأروع ما تكون.
فمع عدد من الأمراء، ورجال الدولة، والإدارة، والتجارة والأعيان- كان علماء الإسلام، بمذاهبه المتعددة، وكذلك قضاة الشرع، ونقيب الأشراف، وأيضًا كان بهذا المجلس العرفي "مرخص الأرمن الكاثوليك"، ووكيل الأقباط الكاثوليك، ووكيل بطريكية الروم الأرثوذكسي.. كان جميع هؤلاء أعضاء في برلمان الثورة العرابية "المجلس العرفي" يجسدون وحدة الأمة الوطنية والقومية، على اختلاف مذاهبها وأديانها وشرائعها، يسدون الثغرات في وجه دعاة الاختراق.
فأين- في غير إطار أمتنا العربية الإسلامية- اشتركت وشاركت الأقليات جميعًا في صنع مصير الأمة عند الملمات؟.
إنَّ تاريخنا لم يعرف الحروب الدينية التي لطخَّت التاريخ الأوروبي بالدم والعار, بل عرف تاريخنا هذه الوحدة الوطنية والقومية التي تعدت إطار التسامح والإخاء إلى المشاركة في صنع المستقبل وتقرير المصير.
وفي ذات أحداث الثورة العرابية، عندما حاول الإنجليز تشويه سمعة هذه الثورة دوليًّا بزعم أنَّ لها مواقف طائفية معادية لغير المسلمين كان رد "الحزب الوطني الحر"- الذي سبق وكوَّنه جمال الدين الأفغاني (1256-1314هـ/1838-1897م)، والذي يقود الثورة العرابية- هو نَشْر برنامجه الذي يدحض هذا الافتراء.
ويزيد هذا الأمر أهمية أنَّ هذا البرنامج قد صاغه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده (1266-1323هـ/1849-1905م) وهو أحد قادة الثورة.
وفي المادة الخامسة من هذا البرنامج كتب الشيخ محمد عبده عن موقف الحزب من الطائفية ينفيها ويقطع بوطنية الثورة وقوميتها؛ فالحزب القائد لها لا تقتصر عضويته على المسلمين وحدهم, فهو ليس حزبًا دينيًّا خاصًّا بأبناء دين واحد, وإنَّما هو حزب كل المصريين على اختلاف عقائدهم ودياناتهم.
فجاء في هذه المادة الخامسة من برنامج هذا الحزب:
"الحزب الوطني حزبٌ سياسي لا ديني أي غير طائفي؛ فإنَّه مؤلَّف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب وجميع النصارى واليهود وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم لغتها منضم إليه؛ لأنَّه لا ينظر لاختلاف المعتقدات ويعلم أنَّ الجميع إخوان, وأنَّ حقوقهم في السياسة والشرائع متساوية، وهذا مُسَلَّم به عند أخص مشايخ الأزهر، الذين يعضدون هذا الحزب ويعتقدون أنَّ الشريعة المحمدية الحقَّة تنهى عن البغضاء وتعتبر الناس في المعاملة سواء.
هكذا تألَّق الفكر الوطني والقومي المنطلق من الشريعة الإسلامية، وهكذا تقرر وأُعلن في برنامج أول حزب سياسي عرفه الشرق والعصر الحديث- الحزب الذي كوَّنه الأفغاني ومحمد عبده، والذي قاد أولى الثورات الشعبية في الشرق- تَقَرَّر أنَّ الشريعة الإسلامية هي الضامنة للمساواة بين كل أبناء الوطن: من النصارى، واليهود، والمسلمين، وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم لغتها؛ لأنَّها الشريعة التي تنهى عن البغضاء وتعتبر الناس في المعاملة سواء.
هذا هو صنيع أسلافنا الأقربين مع الوحدة الوطنية والقومية للأمة تجاه أعدائها، ومن هذا الصنيع يجب أنْ نتعلم لنكون خير خلف لهؤلاء الأسلاف العظام.

نقلا عن موقع الإسلام اليوم

د. محمد عمارة يكتب: أسلافنا .. والوَحْدة الوطنية


د. محمد عمارة يكتب: أسلافنا .. والوَحْدة الوطنية

السبت 03 نوفمبر 2012

بقلم : ا.د/ محمد عمارة – المفكر الاسلامي الكبير و عضو مجمع البحوث الاسلامية وهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف .

إيمان هذه الأمة بالوَحْدة الوطنية والقومية إيمانٌ راسخ لا شك فيه، بل لقد رأت- ببصيرتها النافذة وحسها الفطري- أنَّ الشقاقَ الطائفي كان على مرِّ تاريخها الثغرةَ التي يحاول أعداؤها النفاذ منها؛ بحثًا عن الركيزة التي تضمن لاستعمارهم واستغلالهم الفعاليةَ والاستمرارَ!.


                      أحمد عرابي                                   جمال الدين الأفغاني                           محمد عبده


وأوضح ما كانت وتكون يقظةُ أمتنا لهذه الحقيقة في لحظات المحن والمواجهة مع الأعداء.
ففي مصر مثلًا أثناء الثورة العرابية (1881م-1882م) كانت أوروبا الاستعمارية وإنجلترا بالذات تسعى لشق وَحْدة الصف الوطني، الذي ارتفع متينًا وشامخًا خلف أحمد عرابي (1257-1329هـ/1841-1911م)، وفي مواجهة هذا المسعى الاستعماري كانت يقظة الشعب والثورة، التي تجلت في وحدة طوائف الأمة، على نحو لا مثيل له في غير مجتمعاتنا العربية التي تنعم بسماحة دين الإسلام.
فعندما انحاز الخديوي توفيق (1269-1309هـ/1852-1892م) وأعوانه إلى الإنجليز الغزاة- رفض الشعب الاستسلام، وخلع عن سلطة الخديوي شرعيتها، وتجسدت إرادة الشعب يومئذ في "برلمانه الثوري"، الذي سُمِّي بـ"المجلس العرفي"، وفيه تجسدت وحدة الشعب الوطنية والقومية كأروع ما تكون.
فمع عدد من الأمراء، ورجال الدولة، والإدارة، والتجارة والأعيان- كان علماء الإسلام، بمذاهبه المتعددة، وكذلك قضاة الشرع، ونقيب الأشراف، وأيضًا كان بهذا المجلس العرفي "مرخص الأرمن الكاثوليك"، ووكيل الأقباط الكاثوليك، ووكيل بطريكية الروم الأرثوذكسي.. كان جميع هؤلاء أعضاء في برلمان الثورة العرابية "المجلس العرفي" يجسدون وحدة الأمة الوطنية والقومية، على اختلاف مذاهبها وأديانها وشرائعها، يسدون الثغرات في وجه دعاة الاختراق.
فأين- في غير إطار أمتنا العربية الإسلامية- اشتركت وشاركت الأقليات جميعًا في صنع مصير الأمة عند الملمات؟.
إنَّ تاريخنا لم يعرف الحروب الدينية التي لطخَّت التاريخ الأوروبي بالدم والعار, بل عرف تاريخنا هذه الوحدة الوطنية والقومية التي تعدت إطار التسامح والإخاء إلى المشاركة في صنع المستقبل وتقرير المصير.
وفي ذات أحداث الثورة العرابية، عندما حاول الإنجليز تشويه سمعة هذه الثورة دوليًّا بزعم أنَّ لها مواقف طائفية معادية لغير المسلمين كان رد "الحزب الوطني الحر"- الذي سبق وكوَّنه جمال الدين الأفغاني (1256-1314هـ/1838-1897م)، والذي يقود الثورة العرابية- هو نَشْر برنامجه الذي يدحض هذا الافتراء.
ويزيد هذا الأمر أهمية أنَّ هذا البرنامج قد صاغه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده (1266-1323هـ/1849-1905م) وهو أحد قادة الثورة.
وفي المادة الخامسة من هذا البرنامج كتب الشيخ محمد عبده عن موقف الحزب من الطائفية ينفيها ويقطع بوطنية الثورة وقوميتها؛ فالحزب القائد لها لا تقتصر عضويته على المسلمين وحدهم, فهو ليس حزبًا دينيًّا خاصًّا بأبناء دين واحد, وإنَّما هو حزب كل المصريين على اختلاف عقائدهم ودياناتهم.
فجاء في هذه المادة الخامسة من برنامج هذا الحزب:
"الحزب الوطني حزبٌ سياسي لا ديني أي غير طائفي؛ فإنَّه مؤلَّف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب وجميع النصارى واليهود وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم لغتها منضم إليه؛ لأنَّه لا ينظر لاختلاف المعتقدات ويعلم أنَّ الجميع إخوان, وأنَّ حقوقهم في السياسة والشرائع متساوية، وهذا مُسَلَّم به عند أخص مشايخ الأزهر، الذين يعضدون هذا الحزب ويعتقدون أنَّ الشريعة المحمدية الحقَّة تنهى عن البغضاء وتعتبر الناس في المعاملة سواء.
هكذا تألَّق الفكر الوطني والقومي المنطلق من الشريعة الإسلامية، وهكذا تقرر وأُعلن في برنامج أول حزب سياسي عرفه الشرق والعصر الحديث- الحزب الذي كوَّنه الأفغاني ومحمد عبده، والذي قاد أولى الثورات الشعبية في الشرق- تَقَرَّر أنَّ الشريعة الإسلامية هي الضامنة للمساواة بين كل أبناء الوطن: من النصارى، واليهود، والمسلمين، وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم لغتها؛ لأنَّها الشريعة التي تنهى عن البغضاء وتعتبر الناس في المعاملة سواء.
هذا هو صنيع أسلافنا الأقربين مع الوحدة الوطنية والقومية للأمة تجاه أعدائها، ومن هذا الصنيع يجب أنْ نتعلم لنكون خير خلف لهؤلاء الأسلاف العظام.

نقلا عن موقع الإسلام اليوم

الجمعة، 2 نوفمبر 2012

الدستور الأول للدولة الإسلامية الأولي



  الدستور الأول للدولة الإسلامية الأولي

   بقلم: ا. د/ محمد عمارة – المفكر الاسلامي الكبير وعضو مجمع البحوث الاسلامية وهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف .


مصطلح ‏(الدستور‏)‏ ـ كما يقول اللغويون ـ من المصطلحات المعربة‏, أي التي دخلت إلي اللغة العربية من اللغات الأخري.. وهو يعني (مجموعة القواعد الأساسية التي تبين شكل الدولة, ونظام الحكم فيها, ومدي سلطتها إزاء الأفراد, ومنظومة الآداب العامة, والحقوق والواجبات, والمرجعية التي تحكم التفسير والتفصيل لمواد هذا الدستور).

وإذا كان التاريخ قد حفظ لنا نتفا من المنظومات القانونية الموغلة في القدم ـ ومن أشهرها قوانين (حمورابي) (1792ـ1750 ق.م) ـ في بابل ـ.. وبعض ما جاء في (فنون الأهرام) و(كتاب الموتي) ـ عند الفراعنة ـ و(الوصايا العشر) التي توالي ذكرها في التوراة والقرآن.. فلعل الدستور الذي وضعه رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ مع المهاجرين والأنصار لتحديد شكل دولة المدينة المنورة, ونظام الحكم فيها, ورعية هذه الدولة, وما لهذه الرعية ـ المتعددة في الدين ـ من حقوق وما عليها من واجبات, ولعلاقات هذه الدولة بالخارج, والمرجعية التي تحكم كل ذلك ـ.. لعل هذا الدستور ـ الذي وضع سنة 1 هــ سنة 226م ـ والذي سمي (بالصحيفة) و (الكتاب) ـ أن يكون أقدم دستور محفوظ بالكامل حتي الآن.
> لقد صيغ هذا الدستور صياغة دستورية محكمة في مواد بلغ عددها اثنين وخمسين مادة, نظمت القواعد الأساسية لدولة المدينة ورعيتها, بعد أن نزل الوحي بقسم كبير من القرآن الكريم, فكان ذلك دليلا علي أن القرآن, بالنسبة لدستور الدولة, هو الإطار الجامع للمباديء والروح والمقاصد والغايات, وليس هو النص الذي يغني عن الدستور, الذي يضم المواد الدستورية المحكمة في صياغاتها الدستورية.
> وفي هذا الدستور, الذي قامت علي أساسه دولة متحضرة في (الحاضرة) ( يثرب) التي تحيط بها بيئة تغلب عليها (البداوة) والذي جاء ثمرة للشريعة التي أخرجت العرب من الظلمات إلي النور, الكثير من المباديء والقواعد التي مثلت معالم علي درب التقدم لإنسان ذلك العصر.. بل والتي تحمل الكثير من الخير لإنسان العصر الذي نعيش فيه.. ففيه تقنين لخروج الإنسان من إطار (القبيلة والقبلية) إلي رحاب الدولة والأمة.. فبعد أن كانت القبيلة هي (الأمة والدولة) غدت لبنة في كيان الدولة الجديدة والأمة الوليدة والرعية السياسية التي أقامت بناءها الاجتماعي علي أساس هذا الدستور.. وفي ذلك مبدأ وقيمة لانزال بحاجة إليها حتي الآن…!
> وقبل هذا الدستور ودولته كانت شخصية الفرد ذائبة في كيان القبيلة, شرفه لها, ووزره عليها, وتبعاته مطلوبة منها, وعليها عقوبات الجرائم التي يقترفها.. فجاء هذا الدستور ليقنن لطور جديد في تطور الإنسان العربي.. (ففروض الكفاية) ـ الاجتماعية ـ جعلها الإسلام علي الأمة,
> ولقد استن هذا الدستور سنن التكافل بين الرعية وجماعتها في مختلف الميادين, سواء كانت تلك الميادين مادية أو معنوية.. فالأمة متكافلة ومتضامنة في الحق, وأن النصر للمظلوم..
> وبرغم أن الحاكم للدولة كان النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ وعليه ينزل وحي السماء بالقرآن الكريم.. أي أنه قد جمع الولاية الزمنية إلي النبوة والرسالة فإن هذه الدولة لم تكن دولة دينية, بالمعني الذي عرفته مجتمعات غير إسلامية, وفلسفات سياسية غير إسلامية ـ كسروية وقيصرية وكهنوتية ثيوقراطية ـ.. فهذا الدستور قد تميز عن القرآن, وإن لم يخالف روحه ومبادئه.. ورعية هذه الدولة لم تقف عند الجماعة المؤمنة بدين الإسلام, بل كانت رعية سياسية, اتخذت من المعيار السياسي والإطار الحضاري ميزانا حددت وميزت به الرعية من الأغيار.. ولقد استخدم هذا الدستور مصطلح الأمة ـ بمعني الرعية السياسية ـ وهو يعبر عن هذا البناء السياسي ـ الاجتماعي الجديد.. فنص علي أن [ المؤمنين والمسلمين هم, أمة واحدة من دون الناس], فهم أمة الدين وجماعته المؤمنة به ـ ثم نص علي أن [ اليهود العرب أمة مع المؤمنين, لليهود دينهم وللمسلمين دينهم].. فقرر التسوية في المواطنة وحقوقها وواجباتها بين هذه الرعية السياسية, وأقر التمايز والتعددية الدينية في داخل هذا الاطار القومي ـ الحضاري ـ السياسي, و [ أنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة].. فكانت دولة إسلامية ـ قومية ـ حضارية.. القيادة والادارة فيها للمسلمين.. والاطار الحاكم والجامع ـ المانع في تحديد الرعية وتمييزها عن الغير قومي حضاري لا يستبعد غير المسلمين, الذين ارتضوا الحياة داخل هذه الدولة الواحدة.. التي يحكمها هذا الدستور.
> وهذا الدستور الجديد لهذه الدولة الجديدة لم ينسخ ـ جملة وبإطلاق ـ كل أعراف الجاهلية ـ مواريث العرب ـ بل أقر منها ما هو صالح لا يتعارض مع روح الشريعة, ولا يتصادم مع التطور الجديد.. فالقبائل التي دخلت في التنظيم الجديد, وغدت لبنات في الرعية السياسية ـ القومية للدولة الجديدة, فيما يتعلق بالديات, يتعاقلون معاقلهم الأولي.

> وإذا كان هذا الدستور قد مثل القانون الأعلي الذي نظم الواجبات علي الرعية, والذي ضمن ما لها من حقوق فإنه قد استثني الظلم والإثم وقرر ألا حماية لظالم أو آثم حتي ولو كان من الرعية التي ارتضت الحكم بهذا الدستور.. فنص علي, أنه[ لا يحول هذا الكتاب ـ الدستور ـ دون ظالم أو آثم] .
> وإذا كانت يثرب ـ [المدينة المنورة] ـ قد مثلت وطن الدولة التي يحكمها هذا الدستور, فلقد قرر هذا الدستور أن هذا الوطن حرم مصون آمن لرعية هذه الدولة, له الولاء الكامل والانتماء الكامل.. وقرر ـ في ذات الوقت, وفي نفس النص, ألا حصانة لظالم أو آثم, حتي ولو كان معتصما بيثرب عضوا برعية دولة هذا الدستور., وأنه  [ من خرج أمن ومن قعد آمن بالمدينة, إلا من ظالم وأثم] فلا حصانة له..
> وإذا كان تطور المجتمعات, وتعقد شئون الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية, قد فرض ويفرض التطور في الآفاق وفي الصياغات اللازمة للدساتير الحديثة والمعاصرة.. فإن قراءة هذا الدستور الأول للدولة العربية الاسلامية الأولي, والوعي بمبادئه, إنما يمثل ضرورة من الضرورات النافعة للأمة ـ رغم تجاوز واقعنا للملابسات التي قننها ذلك الدستور ـ.. فلقد حدد لنا ـ اقتداء بالقرآن الكريم ـ أن المرجع عن الاختلاف هو كتاب الله وسنة رسوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ ففيهما المباديء و الفلسفات, والأطر الحاكمة للواقع المتغير والمتطور باستمرار, وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء[  فإن مرده إلي الله وإلي محمد].. فالدولة مدنية, تحكم بالشوري.. والرعية تعددية في المعتقد الديني.. والمرجعية للإسلام, الذي أقام وقنن هذه التعددية لأول مرة في التاريخ.
كذلك تعلمنا ـ ويجب أن نتعلم ـ من هذا الدستور ـ أن أمة اقترن تأسيس دولتها الاسلامية الأولي بالدستور المكتوب, لا يليق أن تنكص علي أعقابها, فيحكمها الاستبداد, متحللا من ضوابط الدستور شكلا وفعلا ـ كما يحدث حينا ـ وفعلا ـ رغم وجود الشكل كما يحدث في كثير من الأحايين!.

الأحد، 6 مارس 2011

ثورات مصر الشعبية‏


\
الأحد 6 مارس 2011

بقلم الشيخ الدكتور / محمد عمارة
"وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ".. بل وظلموا البلاد والعباد.. !
لقد عرفت مصر الثورات الشعبيَّة -في عصرها الحديث- بأكثر مما عرفت كثير من البلاد..
ثارت ثورة شعبيَّة، قادها "مجلس الشرع" -المكون من علماء الأزهر- سنة 1220هـ 1805م، ضد الوالي التركي "خورشيد باشا"، وخلعته عن حكم البلاد، رغم أنه مولَّى من قِبل السلطان.. ويومئذ أعلن السيد عمر مكرم (1168 ـ 1237هـ / 1755 ـ 1822م) باسم "مجلس الشرع" أن الأمَّة هي مصدر السلطات.. وقال: "إن أولي الأمر هم العلماء وحملة الشريعة، والسلطان العادل، ولقد جرت العادة من قديم الزمان، أن أهل البلد يعزلون الولاة، حتى الخليفة والسلطان، إذا ساروا فيها بالجور، فإن أهل البلد يعزلونه ويخلعونه..!"
ولقد اختار "مجلس الشرع" -باسم أهل البلاد- محمد علي باشا واليًا على مصر، ونزل السلطان العثماني على إرادة أهل البلاد.
وثارت مصر ثورة شعبيَّة كبرى (1298هـ /1881م) بقيادة أحمد عرابي باشا (1257ـ 1329هـ /1841 ـ 1911م) شارك فيها الشعب والجيش، عندما طلبت البلاد الحرية والدستور، فقال الخديو توفيق (1269ـ1319هـ 1852ـ 1892م) متحديًا إرادة الأمَّة: "لقد ورثناكم من آبائنا وأجدادنا، وإنما أنتم عبيد إحساناتنا"!.. فأعاد عرابي -وهو على رأس الجيش والشعب بميدان عابدين- كلمات الفاروق عمر بن الخطاب (584ـ644م): "لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا ولا عقارًا، ووالله الذي لا إله غيره إننا لن نورث ولن نُستعبد بعد اليوم"!.. ولقد استمرَّت هذه الثورة الشعبيَّة لأكثر من عام، حتى أخمدها الاحتلال الإنجليزي لمصر سنة 1882م.
وتفجَّرت بمصر ثورتها الشعبيَّة الكبرى (1337هـ 1919م) بقيادة الشيخ سعد زغلول باشا (1273ـ1346هـ / 1857ـ 1927م) ابن الأزهر الشريف.. وتلميذ جمال الدين الأفغاني (1254ـ 1314هـ / 1838ـ 1896م) والابن البار للإمام محمد عبده (1266ـ 1323هـ / 1849ـ 1905م) ـ وهي الثورة التي قامت ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر، والتي دامت مشتعلة لأكثر من عامين، كان الأزهر الشريف فيها منطلق الثورة وحصن الثوار، حتى لقد اقتحمه الإنجليز، وعاثوا فيه فسادًا -كما سبق وصنع بونابرت (1769 ـ 1821) إبان ثورة القاهرة على الاحتلال الفرنسي لمصر (1213هـ 1798م).
وثارت مصر ثورتها الرابعة -في العصر الحديث- (1371هـ 1952م) بقيادة الضباط الأحرار والجيش المصري -ومن ورائه الشعب- ضدّ الاستبداد والفساد والمظالم الاجتماعيَّة التي جعلت ثروات البلاد حكرًا على نصف في المائة من السكان..
لكن الثورة الشعبيَّة الخامسة، التي فجَّرها الشباب -في 25 يناير سنة 2011م) ـ 21 صفر سنة 1432هـ هؤلاء الشباب الذين سبقوا آباءهم وأجدادهم، ثم اجتذبوا -إلى الثورة- الآباء والأجداد والأمهات والجدات، وحتى الأطفال، لكن هذه الثورة التي تفجرت في كل ربوع البلاد، والتي انخرط في أتونها كل العباد.. قد مثلت تغيرًا نوعيًّا في مستوى الشعبيَّة التي ميَّزت ثورات مصر في العصر الحديث والواقع المعاصر والمعيش.. فلماذا كان هذا التغيُّر النوعي في مستوى العمق والشعبيَّة لثورة (25 يناير سنة 2011م؟).. ذلك هو موضوع الحديث القادم إن شاء الله.

الأربعاء، 23 فبراير 2011

كيف ألغيت الخلافة؟


التاريخ: 23/02/2011
الكاتب: أورخان محمد على
 

 في شهرمارس قبل 83 عاما ألغيت الخلافة العثمانية ، وهي آخر خلافة إسلامية في(4/3/1924) فكيف تم هذا الأمر؟
الكثير من تفاصيل إلغاء الخلافة ، وما جرى خلف الكواليس والقوى والبؤر العديدة – الداخلية منها والخارجية- التي لعبت دورا مهما في هذا الأمر لا تزال غير معروفة تماما ؛ لأن هناك ستارا من الغموض فرض على العديد من الحوادث التي جرت في الفترة الأولى من العهد الجمهوري التركي ..
مثلا لم يسمح بنشر مذكرات آخر خليفة ، وهو الخليفة عبد المجيد ، وهذه المذكرات تقع في 12 مجلدا ، ولا شك أنها مذكرات هامة تلقي الكثير من الأضواء على أحداث ذلك العهد ، ولكن لم يستطع أي مؤرخ الاطلاع عليها ، وكذلك هناك مذكرات السيدة "لطيفة أوشاكلي كيل" زوجة مصطفى كمال ، وكما هو معلوم فقد انتهى هذا الزواج بالطلاق بعد فترة قصيرة ، وكانت قد اعتادت على تسجيل مذكراتها ، وهذه المذكرات في شكل دفاتر عديدة، وهي موجودة الآن في حوزة لجنة التاريخ التركي، وفي صندوق حديدي ، ولا يسمح لأي مؤرخ بالاطلاع عليها، بدعوى أن فيها ما يسيء إلى صورة مصطفى كمال ، لذا فلا يجب أن تطلع الجماهير عليها، لكي لا تهتز الصورة الجميلة لمصطفى كمال التي تم حفرها في أذهان الجميع كقائد وبطل تاريخي أنقذ الوطن من الأجانب ، وأسس الجمهورية التركية الحديثة!!.
كما منع نشر القسم الأعظم من مذكرات القائد التركي المشهور المارشال فوزي جاقماق وزير الدفاع في عهد مصطفى كمال ( الذي كان معروفا بتدينه الشديد)والذي تناول فيها حرب الاستقلال التي خاضها جنبا إلى جنب مع مصطفى كمال ومع القواد الوطنيين، وما جرى من أحداث في تلك الفترة ، والسبب هو نفسه…أي لكي لا تصل حقيقة ما حدث في تلك السنوات إلى المؤرخين وإلى الجماهير ؛ لأن الظاهر أن فيها ما يمس مصطفى كمال.
ومثل هذا التصرف لا يليق إلا بدولة دكتاتورية تمنع الفكر الحر والتقويم الحر ، ولا تؤمن بوجوب إيصال المعلومات إلى الشعب، لا بدولة حديثة وديمقراطية ، وقد ارتفعت بعض أصوات المفكرين والمثقفين وبعض المؤرخين طالبة الإفراج عن هذه المذكرات قائلة : إن مصطفى كمال إنسان يخطئ ويصيب، وليس هناك من سبب لتصويره ملاكا لا يخطئ ، ولكن الظاهر أن العسكر يعارضون هذا النشر معارضة شديدة ، وقد نجحوا في إدامة هذا الحظر حتى الآن.
على أي حال دعونا نحاول تسليط بعض الأضواء على موضوع إلغاء الخلافة ، وكيف جرى ؟! وما رافقه من أحداث ، وإن كنا نعترف بأن هناك معلومات قيمة حول هذا الموضوع لم يكشف عنها النقاب حتى الآن.
في أثناء حرب الاستقلال ( التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، والتي حررت تركيا من المعاهدات الجائرة التي فرضت على الدولة العثمانية المغلوبة، وخلصت الوطن من الاحتلال الأجنبي في النهاية) كانت هناك لفترة حكومتان، حكومة يقودها مصطفى كمال ومقرها في أنقرة ولها برلمان، وحكومة في اسطنبول على رأسها الخليفة وحيد الدين الذي كان في الحقيقة أسيرا لدى قوات دول الحلفاء المحتلة لاسطنبول ، وعلى رأسها إنكلترة.
بعد النصر العسكري الذي أحرزته تركيا في حروب الاستقلال، وفي أثناء هدنة "مودانيا" تقرر البدء بالمفاوضات بين تركيا ودول الحلفاء في مدينة "لوزان" بسويسرة".(3-11/10/1922).أهم الدول التي اشتركت فيها هي: تركيا، انكلترة، فرنسا ،إيطاليا ،اليابان، اليونان، رومانيا ، وروسيا، واشتركت الولايات المتحدة الأمريكية فيها كمراقب.
وعندما علمت حكومة أنقرة أن في نية إنكلترة ودول الحلفاء الأخرى دعوة حكومة اسطنبول أيضا  للمفاوضات قامت بإلغاء السلطنة للحيلولة دون اشتراك تلك الحكومة، ولكي لا يكون هناك ممثلان عن تركيا يختلفان في وجهات النظر في العديد من المسائل ، وأصبحت هي الممثلة الوحيدة في تلك المفاوضات.
تم الإلغاء كما يأتي:
في 1/11/1922 قام صديقان من أصدقاء مصطفى كمال في المجلس النيابي ، وهما الدكتور رضا نور (1) وحسين عوني بتقديم مشروع إلى المجلس النيابي يقترح فصل السلطنة عن الخلافة ، أي أن الخليفة لم يعد  يملك سلطة سياسية ، بل تحول إلى رمز ديني فقط..
ووافق المجلس على المشروع ، فتم فصل السلطنة عن الخلافة ، وهكذا حيل بين الدول وبين دعوة حكومة اسطنبول إلى المباحثات ؛ لأن أنقرة أصبحت الحكومة الوحيدة التي تمثل تركيا سياسيا ، وخشي وحيد الدين على نفسه فهرب من اسطنبول على ظهر بارجة بريطانية ، وجرى نقاش في المجلس حول هذا الهروب ، وتم التنديد به.
بعد هذا الهرب بقي منصب الخلافة شاغرا، وكان لا بد من ملئه، فتقدم نائب قونية السيد وهبي أفندي إلى المجلس – طبعا بمعرفة وموافقة مصطفى كمال- باقتراح حول انتخاب خليفة ، تم التصويت في البرلمان واختير عبد المجيد أفندي خليفة ، إذ نال 148 صوتا من مجموع 162 صوتا ، وقام مصطفى كمال – باعتباره رئيس الحكومة بإبلاغ النتيجة إلى الخليفة المنتخب ، ولكنه في اليوم نفسه أدلى بتصريح إلى صحيفة "أقشام" قال فيه:
"إن أسعد فترات تاريخنا هي الفترات التي لم يكن فيها حكامنا خلفاء ، كما أن الفرس والأفغان ومسلمي أفريقيا لم يعترفوا بخليفة اسطنبول ، لقد أبقينا الخليفة احتراما لتقاليد سابقة نجلها ، ونحن نحترم الخليفة"
كان هذا التصريح يبين بوضوح موقف مصطفى كمال من الخلافة ، وإيماءة بأن الدور سيأتي لإلغاء الخلافة أيضا.
والحوادث التي تتابعت فيما بعد دفعت إلى الإسراع بإلغاء الخلافة، فقد كان هناك نواب في المجلس في أنقرة يقفون موقف المعارضة الشديدة من مصطفى كمال ، ويرون أنه ينوي القيام بإجراء تغييرات سياسية واجتماعية جذرية في البلد، وكانوا يعارضون هذه التغييرات ، ويرونها ضارة وليست في مصلحة البلد.
وفي 29/10/1923 تم إعلان الجمهورية ، وانتخب مصطفى كمال رئيسا للجمهورية ، أي أصبح هناك موقف غريب: رئيس جمهورية في أنقرة يمثل السيادة والقوة السياسية، وخليفة في اسطنبول يمثل الرمز الديني للمسلمين.
واشتدت المعارضة ضد مصطفى كمال، وكانت صحف اسطنبول تقود هذه المعارضة ، وفي أثناء مفاوضات لوزان( الذي كان عصمت إينونو رئيسا للوفد التركي فيها) ظهرت خلافات كبيرة بين السيد عصمت إينونو والسيد حسين رؤوف أورباي(الذي كان رئيسا للوزراء في أنقرة).
وأدلى السيد حسين رؤوف بتصريح لإحدى الصحف الصادرة في اسطنبول قال فيه : بأن إعلان الجمهورية كان عملا متسرعا ، وقد عد مصطفى كمال هذا التصريح معاديا له وللنظام الجمهوري ، وزاد قلق مصطفى كمال وقلق أنصاره وقلق حزبه الذي أنشأه وهو " حزب الشعب"عندما قام "حسين رؤوف" و"عدنان آدي وار" و"رفعت باشا" بزيارة الخليفة عبد المجيد في اسطنبول.
وفسرت هذه الزيارة بأنها محاولة لإجهاض النظام الجمهوري ، ولإرجاع نظام السلطنة مرة أخرى ، وأن هناك مؤامرة في هذا الخصوص يشترك فيها الخليفة عبد المجيد وأنصاره ، كما جرت أحداث خارجية زادت من هذا القلق، إذ قام السيد أمير علي- رئيس الجمعية الإسلامية في لندن- بكتابة رسالة بتاريخ 5/12/1923 إلى عصمت إينونو ( الذي عين رئيسا للوزراء بعد إقالة السيد حسين رؤوف) شرح فيها أهمية الخلافة في الدين الإسلامي طالبا المحافظة عليها.
وقبل أن تصل هذه الرسالة إلى عصمت إينونو سربت إلى بعض الصحف في اسطنبول لغرض الضغط على أنقرة.
على إثر هذه التطورات طلب عصمت إينونو عقد جلسة سرية لحزب الشعب في 8/12/1923 للتداول حول هذه الأحداث ، واتخاذ ما يلزم تجاهها، وفي اليوم نفسه قامت الحكومة – التي أصبحت الحكومة الوحيدة في تركيا- بتاسيس محكمة في اسطنبول قامت بالقبض على الصحفيين الذين نشروا تلك الرسالة منهم "حسين جاهد يالجين" و"أحمد جودت" و"وليد أبو الضياء".
ولكن المحكمة قضت ببراءة هؤلاء الصحفيين ، وبحبس السيد لطفي فكري( رئيس نقابة المحامين) خمس سنوات ؛ لأنه أرسل رسالة إلى الخليفة يطلب منه عدم الاستقالة.
وفي هذه الفترة زادت ضغوط انكلترة على الحكومة التركية لإلغاء الخلافة ، فقلوب المسلمين كانت لا تزال معلقة بمقام الخلافة ، وكان ارتباط المسلمين الموجودين تحت الاحتلال الإنكليزي ( في الهند وفي مصر وفي العراق مثلا) يقلق إنكلترة ؛ لذا فإن العديد من المؤرخين يرون وجود بنود سرية في معاهدة لوزان فرضت على تركيا إلغاء الخلافة.
والحوادث أعلاه التي جرت مهدت الأوضاع لإلغاء الخلافة، فعقد حزب الشعب عدة جلسات للتداول في هذا الأمر، وقرر في الأخيرة إلغاء الخلافة ؛ لذا نشرت جريدة "الوطن" في أحد الأيام خبرا فاجأ الشعب مفاجأة كبيرة وأذهله ، وهو قيام نائب مدينة "أورفة" الشيخ "صفت أفندي" باسم نواب قارب عددهم الستين نائبا بطلب إلى المجلس النيابي لإلغاء الخلافة ، ونفي الخليفة وعائلته من البلد(لاحظوا وجود لقب" الشيخ" أمام صاحب الاقتراح…لقد كان هذا شيئا مرتبا بعناية ومقصودا).
كان موعد افتتاح المجلس النيابي هو 1/3/ 1924. وفي خطبة الافتتاح قال مصطفى كمال:
" إن هذه الأمة تريد الحفاظ على الجمهورية الآن ، وإلى الأبد تجاه جميع أنواع الهجوم، وصيانتها بكل حزم ، لا يمكن إبقاء أي كابوس معلقا على هامة هذه الأمة التركية".
وفي يوم 3/3/1924 عقد المجلس النيابي جلسة تاريخية لتقرير مصير الخلافة…لم تستغرق هذه الجلسة التاريخية سوى ثلاث ساعات ونصف الساعة …ثم صدر القرار بإلغاء الخلافة التي استمرت أكثر من 1300 سنة ، كما صرح المجلس بأنه سيتقلد واجبات الخلافة ، ويقوم بشؤونها ، أي أن مؤسسة الخلافة مندمجة – من الناحية النظرية – في الشخصية المعنوية للمجلس النيابي التركي.
في يوم 4/3/1924 نفي الخليفة عبد المجيد مع أفراد عائلته وأقربائه وجميع أفراد آل عثمان إلى خارج البلد، وتم وضع اليد على ثرواتهم.
كانت مدة خلافة الخليفة الأول أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ سنتين وثلاثة أشهر، ومدة خلافة آخر خليفة ( وهو الخليفة العشرين بعد المائة) وهو عبد المجيد سنة واحدة وثلاثة أشهر.
الهوامش :
(1)- دكتور رضا نور: تخرج من الكلية الطبية واهتم بالتاريخ التركي وكتب عنه 13 مجلدا، ودخل معترك السياسة وأصبح وزيرا للصحة في الوزارة الأولى التي شكلها مصطفى كمال. ثم اختلف معه واعتزل السياسة . كتب مذكراته  التي أودعها في المتحف البريطاني والمتحف الفرنسي والتي نشرت في أربعة مجلدات عام 1960أي بعد وفاته بسنوات عديدة. هاجم فيها مصطفى كمال هجوما عنيفا. قامت الحكومة بسحب نسخ الكتاب من الأسواق وسجنت ناشرها