مصر الثورة





سوريا نحن معكم




with you syria

[IMG]http://shams-d.net/up//uploads/images/domain-b9caecbbc3.png[/IMG]




‏إظهار الرسائل ذات التسميات فقه الثورة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فقه الثورة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 22 أغسطس 2013

د. أحمد الريسوني يكتب: حجج الانقلابيين.. تحليل ومناقشة

د. أحمد الريسوني يكتب: حجج الانقلابيين.. تحليل ومناقشة
د. أحمد الريسوني
2013-08-22 11:08:18
الذين نفذوا الانقلاب العسكري ضد الرئيس المنتخب في مصر، والذين تواطؤوا معهم، والذين ساندوهم من الداخل ومن الخارج، لهم شبهات يتحججون بها، ويرددونها بالأصالة أو بالتبعية.
وإسهاما في توضيح الرؤية ووضع النقط على الحروف، بغية الخروج من "تلبيس إبليس"، أُقدم فيما يلي عرضا ومناقشة علمية لأهم تلك "الحجج الانقلابية".
الحجة الأولى: ثورة شعبية نزعت الشرعية
هذه هي الحجة المفضلة عند مناصري الإطاحة بالرئيس المنتخب، من مدنيين وعسكريين. وهي كبرى حججهم وأقواها، ولذلك فهم لا يتوقفون عن ترديدها وشرحها صباح مساء. يقولون: إن السيادة للشعب، فهو الذي انتخب الرئيس ووكله وفوضه، ولهذا فهو يملك حق نزع هذا التفويض وهذا التوكيل متى شاء، وقد قام بذلك فعلا يوم الثلاثين من يونيو، وبذلك سقطت شرعية محمد مرسي، وأصبح معزولا من الشعب، فاقدا للشرعية، ثم تدخل الجيش فنفذ قرار الشعب. كلام جميل وسليم لغويا وشكليا.
لكن عمليا، يقال لهم: كيف تثبتون إثباتا قانونيا صحيحا أن "الشعب قرر عزل الرئيس"؟ سيقولون: 30 مليونا خرجوا في30 يونيو، فكان ذلك عزلا شعبيا للرئيس.
أقول لهم: هذا يحتاج إلى أمرين: أولهما إثبات العدد المزعوم إثباتا صحيحا لا ريب فيه. وثانيهما إثبات أن جميع من خرجوا يوم 30 يونيو قد خرجوا بنية عزل الرئيس وسحب شرعيته.
فأما رقم 30 مليونا من المتظاهرين، فيحتاج إلى إحصاء دقيق أمين، وإلى شهادات موثوقة، من أهل العدالة والنزاهة، وليس من الخصوم الذين لجُّـوا في العداوة، وذهبوا فيها كل مذهب. فهلا أتيتم بمجموعة من القضاة النزهاء ليدرسوا دعواكم وأدلتكم، ويقولوا في وثيقة موقعة: قد خرج من الرافضين لمرسي عدد كذا وكذا.. والذي أعلمه أن تحرياتٍ وتدقيقات حسابية محايدة انتهت إلى أن عدد المتظاهرين ضد الرئيس يوم30 يونيو، يتراوح بين ثلاثة وأربعة ملايين، ولا يمكن أن يكون أكثر من ذلك.
ستقولون هذا كذب وهراء و و و...، نعم ممكن، ولكن ذلك كله يمكن أن يقال عن دعوى 30 مليون، سواء بسواء.
سيقولون أيضا: عندنا حجة موثقة مضبوطة على أن الشعب سحب الشرعية من الرئيس مرسي وعزَلَه، وهي التوقيعات التي جمعت لذلك، وقد بلغ عددها 22 مليونا. أقول: هذه حجة أقرب إلى القبول لو أكملتم خطواتها، بشفافية وبصفة قانونية. وما زال ذلك ممكنا أمامكم. فقدموا توقيعاتكم تلك إلى جهة قضائية مختصة، أو أي جهة محايدة موثوقة، ودعوها تفحص قوائم التوقيعات، ثم تحكم على مدى صحتها وحجيتها وعلى عددها الحقيقي...
فإذا أثبتُّم العدد الأول (وهو30 مليون متظاهر)، وأثبتم العدد الثاني (وهو22 مليون توقيع)، فسيكون عندكم (52 مليونا)، باعتبار أن الذين وقعوا وثيقة صحيحة لم يكونوا بحاجة إلى الخروج يوم30 يونيو، وأفعالُ العقلاء تصان عن العبث. بمعنى أن الذين خرجوا يفترض أنهم غير الذين وقَّعوا، لأن الذين وقعوا أصبحوا في غنى عن الخروج، وطريقتهم أصح وأصرح...
الأمر الثاني الذي تتوقف عليه صحة دعوى العزل الشعبي للرئيس المنتخب، هو إثبات أن من خرجوا ضده يوم 30 يونيو -سواء كان عددهم 30 مليونا أو أربعة ملايين، أو (30+22) أو غير ذلك- قد خرجوا فعلا لأجل عزله وسحب شرعيته، وليس لأي شيء آخر.
فلو أن بعضهم خرج لعزله فعلا، ولكن ثبت أن بعضهم خرج فقط للضغط عليه أو التشهير به، وبعضهم خرج لدعوته للاستقالة، وبعضهم خرج بمطالب سياسية أو اجتماعية، وبعضهم خرج ضده تكسبا أو تحسبا...، لو ثبت هذا التنوع في نيات المتظاهرين -وهو ثابت ومؤكد، بل هو من طبائع الأشياء- لما استقام القول بالعزل الشعبي.http://www.aljazeera.net/App_Themes/SharedImages/top-page.gif
بل حتى خروج من خرجوا لمطالبة الرئيس بالاستقالة من منصبه، أو بإجراء استفتاء على رئاسته، لا يعتبر خروجهم ذاك عزلا أو دعوة إلى العزل. لأن المطالبة باستقالة الرئيس تعني المطالبة بمسار دستوري حضاري منظم، وهي على كل حال تبقى مجرد مطالبة ووجهة نظر.
فمن يدعو إلى الاستقالة لا يكون بالضرورة داعيا إلى مسار انقلابي فوضوي لا دستوري، ولا يعني تفويضا لأحد بعينه بالاستيلاء على الحكم. ولذلك رأينا كثيرا ممن كانوا ضد الرئيس ويدعونه للاستقالة، عارضوا الانقلاب واستنكروه وتبرؤوا منه.
فإذاً الحاجة قائمة أولا لإثبات الأرقام المزعومة للمتظاهرين والموقعين، وثانيا إلى إثبات أن متظاهري30 يونيو جميعا أرادوا وقصدوا العزل الانقلابي العسكري للرئيس.
إذا ثبت ذلك ثبوتا يُعتد بمثله قانونيا وقضائيا، فسيكون عزل الرئيس المنتخب صحيحا لا غبار عليه، قانونيا وفقهيا ومنطقيا. وأما الادعاءات فيحسنها كل واحد، وقد جاء في الحديث الشريف: "لو يُعطَى الناسُ بدعواهم لادَّعى رجالٌ أموالَ قوم ودماءهم، ولكن: البينة على المدعي واليمين على من أنكر". وإذا كان هذا في الخصومات والدعاوي الفردية، فما بالكم إذا تعلق الأمر بدولة وبرئيس دولة؟
هذا من جهة، ومن جهة أخرى: متى كان رؤساء الدول يعزلون بالمظاهرات؟ وكيف إذا كانت تلك المظاهرات ملتبسة، وليوم واحد فقط؟ وأي رئيس دولة في التاريخ عُزل بهذه الطريقة؟ أفيدونا هدانا الله وإياكم.
في عالم اليوم لا يخلو شهر واحد من مظاهرات ضد رئيس من الرؤساء أو ملك من الملوك، بل أصبحت مشروعية التظاهر ضد الرؤساء وحرية انتقادهم، ومشروعية التظاهر ضد الحكومات وسياساتها من علامات التحرر والتحضر، وهو ما تحقق بدرجة عالية وتامة في فترة حكم الرئيس محمد مرسي.
وأنا أعفيكم من سجلات التاريخ التي لن تسعفكم بأي حالةٍ عُزل فيها رئيس منتخب بمظاهراتِ يوم واحد، ولكني أضع عليكم تحديا من نوع آخر، وهو ما يلي: إذا كنتم تؤمنون بهذه الطريقة التي اتبعتموها في الإطاحة بالرئيس المنتخب، وتعتبرونها طريقة شرعية صحيحة لعزل رئيس الدولة، فاكتبوها في دستوركم الذي تقومون بإعداده الآن. وحينئذ سيكون لكم فضل التوصل إلى اختراع دستوري غير مسبوق، وستقدمون بذلك خدمة دستورية فريدة، تهدونها إلى شعوب العالم التي لم تهتد إليها بعد.
الحجة الثانية: أَخْوَنَة الدولة
ويقصدون بها أن الرئيس المنتخب كان يعين أعضاء من حزبه وجماعته في وظائف الدولة ومناصبها. وهذه التهمة لا تقل غرابة وغوغائية عن سابقتها...
فأولا: المعروف والمعهود في جميع الدول قديما وحديثا، أن الرؤساء يُعيِّنون -بحسب صلاحياتهم- من يرونهم ذوي أهلية وكفاءة، ثم يحاسَبون بعد ذلك ويُـحَمَّلون نتائج تعييناتهم.http://www.aljazeera.net/App_Themes/SharedImages/top-page.gif
وأما في الدول الديمقراطية الحديثة، فرئيس الدولة المنتخب -أو رئيس الحكومة- ملزم بأن يعتمد أساسا على حزبه وفريقه، حتى لا يبقى له عذر في أي فشل أو تقصير، وحتى يكون حزبه الذي رشحه وزكاه وأيده شريكا معه في نجاحه أو فشله. ثم يكون الحكم عليه وعلى فريقه في الانتخابات الموالية.
وثانيا: كم هي نسبة هذه "الأخونة" التي تتحدثون عنها؟ ها أنتم الآن -يا خصوم مرسي- تملكون الدولة كلها، من رأسها إلى أخمص قدميها، فقدموا للشعب القائمة الكاملة بأسماء من عينهم الرئيس من حزبه وجماعته، ثم قولوا لنا بعد ذلك: كم نسبتهم إلى غيرهم من أصحاب الوظائف والمناصب في الدولة المصرية؟
لا شك أن تهمة "أخونة الدولة" إنما هي فرية مخترعة، ومجرد فكرة دعائية تحريضية، فهي أولا ليست صحيحة بتاتا، وثانيا لو أنها صحت لكانت هي عين الصواب.
يا معشر الديمقراطيين سابقا: لماذا لا تتهمون -مثلا- الرئيس باراك أوباما بـ"دمقرطة الدولة"، أي أنه قام بتعيين وزرائه وكبار معاونيه وكبار مسؤولي الدولة من حزبه الحزبِ الديمقراطي؟ ولماذا لم تتهموا مِن قبلُ جورج بوش بـ"جمهرة الدولة"، مع أن تعييناته كانت في معظمها من الحزب الجمهوري ومن المحافظين الجدد؟
الحقيقة أن جميع الأحزاب الحاكمة ديمقراطيا، وجمع الرؤساء المنتخبين ديمقراطيا، يقومون -في أول ما يقومون به- بأخونة الدولة والحكومة، لكي يتأتى لهم تحمل مسؤولياتهم، وتنفيذ سياساتهم وبرامجهم التي انتخبوا على أساسها وسيحاسبون على مدى تنفيذها. ثم بعد ذلك يجدد لهم أو يطاح بهم عبر الطرق الديمقراطية المتحضرة.
فبقي أن الاستثناء الديمقراطي الوحيد هو الرئيس محمد مرسي. فهو الوحيد الذي لم يقم بالأخونة إلا بنسبة ضئيلة جدا، تعتبر هزلية ومهزلة في عرف الأنظمة الديمقراطية. وهو الوحيد الذي اعتبرت شبهة الأخونة في حقه جريمة لا تغتفر. وهو الوحيد الذي أطيح به بتهمة الأخونة التي لم تقع.http://www.aljazeera.net/App_Themes/SharedImages/top-page.gif
الحجة الثالثة: ارتكاب أخف الضررين
هذه الحجة اختص بها شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب. فقد برر تأييده للانقلاب العسكري بكونه أخفَّ الضررين. بمعنى أن تنحية الرئيس المنتخب واعتقاله، وإلغاء الدستور المعتمد من الشعب، وحل مجلس الشورى المنتخب، واستيلاء قائد الجيش على الدولة وعسكرتها، وما رافق ذلك منذ ساعاته الأولى من اعتقالات وإغلاق للقنوات الإسلامية.. وما تبعه من أحداث ومظالم رهيبة ما زلنا نعيش أطوارها وآلامها.. كل ذلك عند شيخ الأزهر يعتبر أخف الضررين، ولا ندري ما هو الضرر الأشد الذي تم درؤه؟ وهل هناك ضرر أشد من هذا الذي نراه يتناسل ويتواصل؟
السؤال هنا هو: كيف تأتى لشيخ الأزهر أن يعرف ويقدر أخف الضررين، مع أن الأمر يتعلق بدولة وشعب وأجيال قريبة وبعيدة، ويتعلق بالأمن والاستقرار وشرعية الحكم، وبالاقتصاد والدين والأخلاق، وله انعكاسات على الأمة العربية والإسلامية بأسرها؟
نعم يستطيع الشيخ تقدير أخف الضررين بسهولة إذا كان المقصودُ أخفَّ الضررين في حقه هو شخصيا، في منصبه ومصالحه الدنيوية وانتمائه السياسي.. فمن هذه الناحية لا شك أن أخف الضررين عنده هو التنكر للرئيس مرسي، ومبايعة الجنرال السيسي.
أما تقدير أخف الضررين على مصير دولة وشعب وأمة، في الحال والمآل، فشيخ الأزهر الحالي من أبعد الناس عنه وأعجزهم عن البت فيه. ولو كان أحمد الطيب فقيها أو مارس القضاء مثلا، لكان أقرب إلى المسألة، لكننا نعلم أن تخصصه إنما هو علم الكلام، وعلم الكلام -كما هو معلوم- مجاله الغيبيات وما فوق السماوات، ولا صلة له بالأرض ومشاكلها.
ولو أن شيخ الأزهر أراد -حقا وصدقا- أن يقدر أخف الضررين فيما بين عزل الرئيس وحبسه، أو إبقائه ومساندته، وأن يستصدر في ذلك فتوى أزهرية أو موقفا أزهريا يَسترشد به المعنيون بالأمر، لكان قد جمع لذلك هيئة كبار العلماء، أو مجمع البحوث الإسلامية، أو جبهة علماء الأزهر، أو مكتب الرابطة العالمية لخريجي الأزهر، بدل أن يهرول بمفرده إلى الانخراط في المؤامرة وتزكية هذا المسار الدموي المظلم الذي أدخلوا فيه البلاد والعباد.
____________________
عالم مغربي متخصص في فقه المقاصد

الأحد، 21 أكتوبر 2012

أيهما أولا‏:‏ فقه الواقع‏..‏ أم فقه الأحكام؟




بقلم: ا. د /  محمد عمارة – المفكر الاسلامي الكبير وعضو مجمع البحوث الاسلامية وهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف .


في الفكر‏,‏ والفلسفة‏,‏ وحتي في الدين‏,‏ هناك تمايزات وتخصصات في الحقول المعرفية‏,‏ وفي طبائع هذه الحقول المعرفية‏.‏

فالفلسفة, حقلها المعرفي هو الغوص في الأعماق بحثا عن الكليات التي تمثل الحقيقة الفلسفية..
والدين, فيه أصول للإيمان وللإسلام, تقف معارفها ـ هي الأخري عند الكليات.. ومنها الشريعة التي هي وضع إلهي ثابت تقف عند كليات التشريع ومبادئه وقواعده ونظرياته وفلسفاته, تاركة الفروع والتفاصيل والجزئيات, التي تتغير أحكامها وتتطور بتغير الزمان والمكان والعادات والمصالح والأعراف ـ تاركة ذلك كله للفقه, الذي هو علم الفروع, الذي هو ثمرة لاجتهادات الفقهاء المحكومة بثوابت الشريعة ومبادئها ونصوصها قطعية الدلالة والثبوت.
ولقد اتفق أهل السنة والجماعة ـ الذين يمثلون 90% من المسلمين ـ علي أن السياسة ـ التي هي التدابير الاجتماعية التي تقرب الناس من الصلاح وتبعدهم عن الفساد ـ ومنها نظم الحكم ودساتيره وقوانينه ومؤسساته ـ هي من الفقهيات, أي من الفروع, وليست من الأصول ـ أصول الدين أو أصول الشريعة ـ ولذلك فإن الاختلاف فيها وارد وطبيعي, وكذلك التعددية في تياراتها, وذلك لاختلاف الاجتهادات تبعا لاختلاف الأنظار في الوقائع التي تنبع منها هذه السياسات.
ولأن السياسة من الفروع, ولأن اغلب الاجتهادات فيها نابعة من الواقع, المتطور دائما وأبدا, كان الفكر فيها والاشتغال بها ـ وإن حكمته منظومة القيم والأخلاق ـ من الفروع وليس من الكليات.
ومن الثمرات المهمة لهذا التصنيف للحقول المعرفية, الذي يجعل السياسة من الفقهيات والفروع, وليس من الكليات والأصول, أن السياسة ليس فيها تكفير يخرج من الملة, لأن التكفير لايرد إلا إذا كان هناك جحود وإنكار لأصل من اصول الإيمان أو الإسلام.
> والذين ينظرون في تاريخ الفكر السياسي في الشرق أو الغرب ـ يرون ظاهرة ربما بدت غريبة ومدهشة للكثيرين وهي أن الفلاسفة وأصحاب الفكر المغرق في التجريد والتأملات الذهنية هم أبعد الناس عن النجاح في التدابير السياسية للمجتمعات, وأن تصوراتهم لنظم الحكم وسياسة المجتمعات هي مثاليات نظرية.. ونظريات مثالية غير قابلة لأن توضع في الممارسة والتطبيق, ذلك لأن هذه النظريات والفلسفات والمثل نابعة من الكليات التجريدية, وليس من الواقع المليء بالتفاصيل والجزئيات والتمايزات..
إن جمهورية أفلاطون (427 ـ347 ق.م) قد ظلت تصورات مثالية حبيسة الكتاب الذي تحدث عنها, ولم تعرف طريقها ـ يوما ما ـ إلي الممارسة والتطبيق, رغم أنها قد درست وتدرس في جميع الثقافات.
ـ وكذلك الحال مع المدينة الفاضلة للفارابي (260 ـ339 هــ874 ـ950 م).. ومن يوتوبيا الفيلسوف الانجليزي سيرتوماس مور (1478 ـ1535 م).. بينما كان النجاح السياسي حليف الساسة الذين انطلقوا من فقه الواقع, ثم بحثوا لعلامات استفهام هذا الواقع عن اجابات في الاحكام, ولم ينعزلوا عن فقه الواقع اكتفاء بفقه الأحكام.. فالذين يغرقون في الفكر النظري والتجريد الذهني, ويجهلون الواقع المعقد والمليء بالتفاصيل, ثم يحلمون بصب هذا الواقع في قوالب الأحكام ونظرياتها, هم ابعد الناس عن النجاح في التدبير السياسي للحكومات والمجتمعات..
> ولقد كان ابن خلدون (732 ـ808 هـ 1332 ـ1406م) فقيها
وعا لما متبحرا في اصول الدين والفقه والعمران وكانت له تجربة فاشلة في ممارسة السياسة, فلما اعتزل هذا الميدان, وكتب( مقدمته) الفذة, عقد فيها فصلا لخص فيه هذه القضية ـ قضية إخفاق الساسة الذين ينطلقون الي تدبير الواقع من النظريات التجريدية ومن التعمق في الفلسفات والمثل, بينما يكون النجاح حليف الذين ينطلقون من الواقع, ثم يبحثون لمفرداته ومشكلاته عن الأطر والمعايير التي تحكم حركته في الأحكام.. لخص ابن خلدون هذه الحقيقة ـ التي قد تدهش الكثيرين ـ في فصل جعل عنوانه صادما للغارقين والمستغرقين في النظريات والمثاليات ـ فقال في العنوان: (فصل في أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها)!.. ثم قدم الحيثيات للفكرة التي أوجزها في هذا العنوان, فقال:
لأن هؤلاء العلماء معتادون النظر الفكري والغوص علي المعاني وانتزاعها من المحسوسات, وتجريدها في الذهن أمورا كلية عامة.. فهم متعودون في سائر انظارهم علي الأمور الذهنية والأنظار الفكرية, لايعرفون سواها.. فلاتزال احكامهم وانظارهم كلها في الذهن.. ويتفرع ـ عندهم ـ ما في الخارج( الواقع) ـ عما في الذهن.. ويطبقون من بعد ذلك الكلي (الذهني والنظري) ـ علي الخارجيات (الوقائع). أما السياسة, فيحتاج صاحبها إلي مراعاة ما في الخارج ـ (الواقع)ـ وما يلحقها من الأحوال ـ (المتغيرات) ـ فإنها خفية, ولعل أن يكون فيها مايمنع من إلحاقها بشبه أو مثال, وينافي الكلي الذي يحاول تطبيقه عليها ولا يقاس شيء من أحوال العمران علي الآخر. فإذا نظر الذين تعودوا تعميم الأحكام وقياس الأمور بعضها علي بعض في السياسة أفرغوا وقائعها المحسوسة في قوالب انظارهم فيقعون في الغلط كثيرا.
بينما العامي السليم الطبع, المتوسط الكيس ـ (الفطن) ـ فإنه يقتصر لكل مادة علي حكمها, ولايتعدي الحكم بقياس ولاتعميم, ولايفارق في نظره المواد المحسوسة ولايجاوزها في ذهنه, فيكون مأمونا من النظر في سياسته ومن هنا يتبين أن صناعة المنطق غير مأمونة الغلط لكثرة مافيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوس ـ (الواقع )
هكذا تجلت عبقرية العلامة ابن خلدون ـ الفيلسوف الذي خاض التجربة السياسية ـ عندما قرر ـ بعد التجربة ـ فشل السياسات التي تنطلق من التصورات الذهنية التجريدية, محاولة صب الواقع المحسوس في القوالب والتصورات الذهنية المجردة, معتمدة علي المنطق الصوري, وعلي القياس والمحاكاة والأشباه والنظائر في تعميم الأحكام وإطلاقها.. بينما تنجح السياسات التي تطابق بين النظريات ومافي الخارج من وقائع محسوسة.. ولذلك احتاج السياسي الناجح الي مراعاة الواقع المحسوس الذي يمتليء بالخصوصيات والتمايزات.. أما الذين تعودوا تعميم الأحكام, وقياس الأمور بعضها علي بعض ـ دون إدراك الفروق ومراعاتها ـ وتعودوا صب الواقع المحسوس في القوالب النظرية الذهنية, فإنهم يقعون في الغلط الكثير.. وعلي العكس منهم الذي لايغرقون في التجريدات الذهنية من متوسطي النظر والفطنة وأصحاب الفطر السليمة, فإنهم يجعلون لكل مادة من الوقائع حكمها, دون تعميم.. ولا يفارق نظرهم الوقائع والمواد المحسوسة ولا تتجاوزها أذهانهم, فيكون نظرهم في السياسة مأمونا.
> وقبل ابن خلدون, طرق الإمام ابن القيم (691 ـ751 هـ 1292 ـ1350 م) هذه القضية, عندما ميز بين الشرائع العامة الثابتة واللازمة للأمة الي يوم القيامة, والتي لاتتخير الأزمنة, وبين السياسات الجزئية التابعة للمصالح, والتي تختلف باختلاف الأزمنة, وتتقيد بالمصالح زمانا ومكانا.
فعالم الأصول إنما يبدأ في الشرائع العامة من الوحي والكليات, وليس من الواقع والجزئيات.. بينما يبدأ القائم علي التدابير السياسية من الواقع.. وبعبارة ابن القيم: فإن هناك نوعين من الفقه لابد للحاكم منهما: فقه في احكام الحوادث الكلية. وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس.. والمطابقة بين هذين الفقهين إنما تعني في السياسة ـ إعطاء الواقع حكمه من الواجب, لاجعل الواجب مخالفا للواقع..
ففي السياسة: الواقع أولا.. ولذلك نري الغلط الكثير ـ في السياسة ـ عند الذين حبسوا عقولهم في التأملات النظرية والتجريدات الذهنية, بعيدا عن تعقيدات الواقع المحسوس.. ثم حلموا ـ وحاولوا ـ صب هذا الواقع المحسوس في قوالب الذهنيات والتجريدات, فكانوا أشبه بالذين قلبوا الأهرامات!.

أيهما أولا‏:‏ فقه الواقع‏..‏ أم فقه الأحكام؟

21 أكتوبر 2012

  أيهما أولا‏:‏ فقه الواقع‏..‏ أم فقه الأحكام؟




بقلم: ا. د /  محمد عمارة – المفكر الاسلامي الكبير وعضو مجمع البحوث الاسلامية وهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف .


في الفكر‏,‏ والفلسفة‏,‏ وحتي في الدين‏,‏ هناك تمايزات وتخصصات في الحقول المعرفية‏,‏ وفي طبائع هذه الحقول المعرفية‏.‏

فالفلسفة, حقلها المعرفي هو الغوص في الأعماق بحثا عن الكليات التي تمثل الحقيقة الفلسفية..
والدين, فيه أصول للإيمان وللإسلام, تقف معارفها ـ هي الأخري عند الكليات.. ومنها الشريعة التي هي وضع إلهي ثابت تقف عند كليات التشريع ومبادئه وقواعده ونظرياته وفلسفاته, تاركة الفروع والتفاصيل والجزئيات, التي تتغير أحكامها وتتطور بتغير الزمان والمكان والعادات والمصالح والأعراف ـ تاركة ذلك كله للفقه, الذي هو علم الفروع, الذي هو ثمرة لاجتهادات الفقهاء المحكومة بثوابت الشريعة ومبادئها ونصوصها قطعية الدلالة والثبوت.
ولقد اتفق أهل السنة والجماعة ـ الذين يمثلون 90% من المسلمين ـ علي أن السياسة ـ التي هي التدابير الاجتماعية التي تقرب الناس من الصلاح وتبعدهم عن الفساد ـ ومنها نظم الحكم ودساتيره وقوانينه ومؤسساته ـ هي من الفقهيات, أي من الفروع, وليست من الأصول ـ أصول الدين أو أصول الشريعة ـ ولذلك فإن الاختلاف فيها وارد وطبيعي, وكذلك التعددية في تياراتها, وذلك لاختلاف الاجتهادات تبعا لاختلاف الأنظار في الوقائع التي تنبع منها هذه السياسات.
ولأن السياسة من الفروع, ولأن اغلب الاجتهادات فيها نابعة من الواقع, المتطور دائما وأبدا, كان الفكر فيها والاشتغال بها ـ وإن حكمته منظومة القيم والأخلاق ـ من الفروع وليس من الكليات.
ومن الثمرات المهمة لهذا التصنيف للحقول المعرفية, الذي يجعل السياسة من الفقهيات والفروع, وليس من الكليات والأصول, أن السياسة ليس فيها تكفير يخرج من الملة, لأن التكفير لايرد إلا إذا كان هناك جحود وإنكار لأصل من اصول الإيمان أو الإسلام.
> والذين ينظرون في تاريخ الفكر السياسي في الشرق أو الغرب ـ يرون ظاهرة ربما بدت غريبة ومدهشة للكثيرين وهي أن الفلاسفة وأصحاب الفكر المغرق في التجريد والتأملات الذهنية هم أبعد الناس عن النجاح في التدابير السياسية للمجتمعات, وأن تصوراتهم لنظم الحكم وسياسة المجتمعات هي مثاليات نظرية.. ونظريات مثالية غير قابلة لأن توضع في الممارسة والتطبيق, ذلك لأن هذه النظريات والفلسفات والمثل نابعة من الكليات التجريدية, وليس من الواقع المليء بالتفاصيل والجزئيات والتمايزات..
إن جمهورية أفلاطون (427 ـ347 ق.م) قد ظلت تصورات مثالية حبيسة الكتاب الذي تحدث عنها, ولم تعرف طريقها ـ يوما ما ـ إلي الممارسة والتطبيق, رغم أنها قد درست وتدرس في جميع الثقافات.
ـ وكذلك الحال مع المدينة الفاضلة للفارابي (260 ـ339 هــ874 ـ950 م).. ومن يوتوبيا الفيلسوف الانجليزي سيرتوماس مور (1478 ـ1535 م).. بينما كان النجاح السياسي حليف الساسة الذين انطلقوا من فقه الواقع, ثم بحثوا لعلامات استفهام هذا الواقع عن اجابات في الاحكام, ولم ينعزلوا عن فقه الواقع اكتفاء بفقه الأحكام.. فالذين يغرقون في الفكر النظري والتجريد الذهني, ويجهلون الواقع المعقد والمليء بالتفاصيل, ثم يحلمون بصب هذا الواقع في قوالب الأحكام ونظرياتها, هم ابعد الناس عن النجاح في التدبير السياسي للحكومات والمجتمعات..
> ولقد كان ابن خلدون (732 ـ808 هـ 1332 ـ1406م) فقيها
وعا لما متبحرا في اصول الدين والفقه والعمران وكانت له تجربة فاشلة في ممارسة السياسة, فلما اعتزل هذا الميدان, وكتب( مقدمته) الفذة, عقد فيها فصلا لخص فيه هذه القضية ـ قضية إخفاق الساسة الذين ينطلقون الي تدبير الواقع من النظريات التجريدية ومن التعمق في الفلسفات والمثل, بينما يكون النجاح حليف الذين ينطلقون من الواقع, ثم يبحثون لمفرداته ومشكلاته عن الأطر والمعايير التي تحكم حركته في الأحكام.. لخص ابن خلدون هذه الحقيقة ـ التي قد تدهش الكثيرين ـ في فصل جعل عنوانه صادما للغارقين والمستغرقين في النظريات والمثاليات ـ فقال في العنوان: (فصل في أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها)!.. ثم قدم الحيثيات للفكرة التي أوجزها في هذا العنوان, فقال:
لأن هؤلاء العلماء معتادون النظر الفكري والغوص علي المعاني وانتزاعها من المحسوسات, وتجريدها في الذهن أمورا كلية عامة.. فهم متعودون في سائر انظارهم علي الأمور الذهنية والأنظار الفكرية, لايعرفون سواها.. فلاتزال احكامهم وانظارهم كلها في الذهن.. ويتفرع ـ عندهم ـ ما في الخارج( الواقع) ـ عما في الذهن.. ويطبقون من بعد ذلك الكلي (الذهني والنظري) ـ علي الخارجيات (الوقائع). أما السياسة, فيحتاج صاحبها إلي مراعاة ما في الخارج ـ (الواقع)ـ وما يلحقها من الأحوال ـ (المتغيرات) ـ فإنها خفية, ولعل أن يكون فيها مايمنع من إلحاقها بشبه أو مثال, وينافي الكلي الذي يحاول تطبيقه عليها ولا يقاس شيء من أحوال العمران علي الآخر. فإذا نظر الذين تعودوا تعميم الأحكام وقياس الأمور بعضها علي بعض في السياسة أفرغوا وقائعها المحسوسة في قوالب انظارهم فيقعون في الغلط كثيرا.
بينما العامي السليم الطبع, المتوسط الكيس ـ (الفطن) ـ فإنه يقتصر لكل مادة علي حكمها, ولايتعدي الحكم بقياس ولاتعميم, ولايفارق في نظره المواد المحسوسة ولايجاوزها في ذهنه, فيكون مأمونا من النظر في سياسته ومن هنا يتبين أن صناعة المنطق غير مأمونة الغلط لكثرة مافيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوس ـ (الواقع )
هكذا تجلت عبقرية العلامة ابن خلدون ـ الفيلسوف الذي خاض التجربة السياسية ـ عندما قرر ـ بعد التجربة ـ فشل السياسات التي تنطلق من التصورات الذهنية التجريدية, محاولة صب الواقع المحسوس في القوالب والتصورات الذهنية المجردة, معتمدة علي المنطق الصوري, وعلي القياس والمحاكاة والأشباه والنظائر في تعميم الأحكام وإطلاقها.. بينما تنجح السياسات التي تطابق بين النظريات ومافي الخارج من وقائع محسوسة.. ولذلك احتاج السياسي الناجح الي مراعاة الواقع المحسوس الذي يمتليء بالخصوصيات والتمايزات.. أما الذين تعودوا تعميم الأحكام, وقياس الأمور بعضها علي بعض ـ دون إدراك الفروق ومراعاتها ـ وتعودوا صب الواقع المحسوس في القوالب النظرية الذهنية, فإنهم يقعون في الغلط الكثير.. وعلي العكس منهم الذي لايغرقون في التجريدات الذهنية من متوسطي النظر والفطنة وأصحاب الفطر السليمة, فإنهم يجعلون لكل مادة من الوقائع حكمها, دون تعميم.. ولا يفارق نظرهم الوقائع والمواد المحسوسة ولا تتجاوزها أذهانهم, فيكون نظرهم في السياسة مأمونا.
> وقبل ابن خلدون, طرق الإمام ابن القيم (691 ـ751 هـ 1292 ـ1350 م) هذه القضية, عندما ميز بين الشرائع العامة الثابتة واللازمة للأمة الي يوم القيامة, والتي لاتتخير الأزمنة, وبين السياسات الجزئية التابعة للمصالح, والتي تختلف باختلاف الأزمنة, وتتقيد بالمصالح زمانا ومكانا.
فعالم الأصول إنما يبدأ في الشرائع العامة من الوحي والكليات, وليس من الواقع والجزئيات.. بينما يبدأ القائم علي التدابير السياسية من الواقع.. وبعبارة ابن القيم: فإن هناك نوعين من الفقه لابد للحاكم منهما: فقه في احكام الحوادث الكلية. وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس.. والمطابقة بين هذين الفقهين إنما تعني في السياسة ـ إعطاء الواقع حكمه من الواجب, لاجعل الواجب مخالفا للواقع..
ففي السياسة: الواقع أولا.. ولذلك نري الغلط الكثير ـ في السياسة ـ عند الذين حبسوا عقولهم في التأملات النظرية والتجريدات الذهنية, بعيدا عن تعقيدات الواقع المحسوس.. ثم حلموا ـ وحاولوا ـ صب هذا الواقع المحسوس في قوالب الذهنيات والتجريدات, فكانوا أشبه بالذين قلبوا الأهرامات!.

الثلاثاء، 16 أكتوبر 2012

مقام الوطن في فكر الإسلاميين

16 أكتوبر 2012




بقلم: ا. د /  محمد عمارة – عضو مجمع البحوث الاسلامية وهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف .


في معاجم اللغة العربية ـ ومنها‏‏ "لسان العرب‏"‏ لابن منطور‏,‏ و"أساس البلاغة" للزمخشري نقرأ التعريف للوطن باعتباره: المنزل الذي يمثل موطن الإنسان ومحل إقامته, وفيه يكون المولد والمنشأ, وهو الديار التي ينتسب إليها الإنسان, ولها يكون الحنين والولاء والانتماء.

< والقرآن الكريم, الذي مثل ويمثل ديوان الدين والثقافة والمدنية والحضارة, يجعل حب الإنسان لوطنه والديار التي نشأ فيها مساويا لحياة هذا الإنسان, ولذلك تحدث القرآن الكريم عن الإخراج من الديار كمعاول للقتل والإخراج من الحياة, فالتوطن حياة, والحرمان من الوطن موت وموات!: { ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم مافعلوه إلا قليل منهم}..[ سورة النساء:66 ]  { وإذا أخذنا ميثاقكم لاتسفكون دماءكم ولاتخرجون أنفسكم من دياركم } ـ [ سورة البقرة: 84 ] ـ كما ساوي القرآن الكريم بين الإخراج من الديار والحرمان من الوطن وبين الفتنة في الدين, فجعلهما وحدهما المبرر للقتال ـ القتال لتحرير الوطن ومقدراته ولحرية الضمير وتحريره كي يتدين دون إكراه, في إشارة إلي أن الوطن الحر هو الوعاء الذي بدونه لايتأتي قيام كامل الدين, وكامل الحرية في التدين بالدين .


الشيخ رفاعة  الطهطاوي              الشيخ جمال الدين الأفغاني
الشيخ محمد عبده                            الشيخ حسن البنا                                
< وإذا كانت الفطرة السليمة قد جعلت حب الوطن جزءا منها, حتي قال الشيخ رفاعة الطهطاوي في أول نشيد وطني في العصر الحديث:
من أصل الفطرة للفطن بعد المولي حب الوطن
هبة من الوهاب بها فالحمد لوهاب المنن
وإذا كانت هذه الفطرة لاتتخلف عند الإنسان السوي حتي ولو جار عليه الوطن وظلمه وحرمه بعض حقوق المواطنة, حتي لقد قال الشاعر:
بلادي وإن جارت علي عزيزة
وأهلي وإن ضنوا علي كرام
فلقد كان موقف رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ من مكة, عندما ظلمته وعذبته هو وصحابته الكرام, وعندما تعصبت للشرك والوثنية ضد التوحيد, وعندما أخرجت الرسول والذين آمنوا معه من وطنهم.. كان موقف الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ من هذه البلدة مصداقا لهذه الفطرة الإنسانية السوية, فناجي مكة لحظة فراقه لها فقال:  (( والله إني أعلم أنك أحب البلاد إلي الله, وأحب البلاد إلي نفسي, ولولا أن قومك أخرجوني منك ماخرجت )) .. ولقد ظل حنينه إليها جارفا, حتي لقد كان يدعو ربه ـ وهو بالمدينة ـ أن يحبب إليه المدينة حبه لمكة! وظل هذا الحب للوطن يملأ القلب حتي عاد إلي مكة فاتحا, وحانيا علي مواطنيه الذين عذبوه وجاروا عليه وظلموه!
< ولأن هذه هي مكانة الوطن في الرؤية الإسلامية: النسب الذي ينقذ الإنسان من الضياع, والقبلة التي تتجه إليها الأفئدة بالشوق والولاء والانتماء, قال الإمام محمد عبده.. وهو يفسر قول الله ـ سبحانه وتعالي: { ألم تر إلي الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم }  [ سورة البقرة : 243] ـ قال : (( إن الخروج من الوطن بمعني التفريط في استقلاله موت, بينما الحفاظ علي استقلال الوطن حياة وإحياء )) .
فالهجرة من مكة إلي المدينة كانت إخراجا من الوطن والديار, ولم تكن خروجا, إذ الخروج من الوطن قتل وموات!!
< ولهذه الحقيقة, حقيقة الارتفاع بمكانة الوطن ومحبته والولاء له والانتماء إليه, كان للوطن المصري تحديدا وعلي وجه الخصوص ـ عند رواد اليقظة الإسلامية الحديثة ـ المكانة اللائقة بقدر مصر بين أوطان الشرق الإسلامي, حتي لقد جعلوا لها مكان الإمامة والقيادة والريادة بين أوطان الجامعة الإسلامية, وعلقوا عليها الآمال في قيادة النهضة الشرقية والتصدي لتحديات الاستعمار.. فرائد هذه اليقظة الإسلامية الحديثة… جمال الدين الأفغاني, الذي رفع شعار الجامعة الإسلامية, هو أول من رفع شعار [مصر للمصريين], وأول من أنشأ بمصر [الحزب الوطني الحر].. ولقد كانت سنوات إقامته بمصر (1871ـ1879م] أخصب سنوات عطائه الفكري والسياسي علي الإطلاق.. ولقد عبر عن مكانة الوطن المصري في عقله ووجدانه وجهاده فقال:
 (( مصر أحب بلاد الله إلي, وهي أهم مواقع الشرق, وهي عند المسلمين من الأراضي المقدسة, ولها في قلوبهم منزلة لايحتلها سواها, نظرا لموقعها من الممالك الإسلامية, ولأنها باب الحرمين الشريفين, فإن كان هذا الباب آمنا كانت خواطر المسلمين مطمئنة علي تلك البقاع وعلي سلامة ركن عظيم من أركان الديانة الإسلامية )) .
وعندما نظر الأفغاني إلي المستقبل, علق الآمال علي قيادة الوطن المصري للنهضة الشرقية والبعث الإسلامي, فقال: (( وربما لايكون بعيدا من الواقع ان تصير عاصمة مصر ـ [القاهرة] ـ كرسي مدينة لأعظم الممالك الشرقية. بل لقد كان ذلك أمرا مقررا في أنفس جيرانها من سكان البلاد المتاخمة, وهو أملهم الفرد كلما ألم بهم خطب أو عرض لهم خطر )).
< ولقد استمر هذا الموقف الإسلامي من الوطن المصري عند الشيخ حسن البنا, الذي قال عن مكانة مصر في دعوته وحركته:
 (( إن مصر هي قطعة من أرض الإسلام, وزعيمة أممه, وفي المقدمة من دول الإسلام وشعوبه, ونحن نرجو أن تقوم في مصر دولة إسلامية, تحتضن الإسلام, وتجمع كلمة العرب, وتحمي المسلمين في أكناف الأرض من عدوان كل ذي عدوان, وتنشر كلمة الله وتبلغ رسالته, إننا نحب وطننا مصر, ونحرص علي وحدته, ولانجد غضاضة علي أي إنسان أن يخلص لبلده, وأن يفني في سبيل قومه, وأن يتمني لوطنه كل مجد وفخار, وأن يقدمه في العمل علي ماسواه. وان يقدم في ذلك الأقرب فالأقرب رحما وجوارا… إننا مع دعاة الوطنية, بل مع غلاتهم في كل معانيها الصالحة التي تعود بالخير علي البلاد والعباد, فالوطنية لم تخرج عن أنها جزء من تعاليم الإسلام.
فالدائرة الوطنية ـ في دعوتنا… هي الأساس الأول للنهوض, والوحدة العربية هي الحلقة الثانية في النهوض.
أما الجامعة الإسلامية فهي السياج الكامل للوطن الإسلامي العام. ولاتعارض بين هذه الحلقات الثلاث, لأن كلا منها تشد أزر الأخري, وتحقق الغاية منها, أما إذا أراد أقوام أن يتخذوا من المنادات بالقومية الخاصة سلاحا يميت الشعور بما عداها, فنحن لسنا معهم.. ولعل هذا هو الفارق بيننا وبين كثير منهم ..)).
تلك هي مكانة الوطن, والوطنية, والولاء للوطن, والانتماء إليه, والإخلاص في سبيل حريته وعزته وتقدمه .
وهذه هي مكانة الوطن المصري في فكر أعلام اليقظة الإسلامية الحديثة… لأن هذا الوطن ـ إسلامياـ هو كنانة الله في أرضه, أي خزانة الطاقات والملكات والقدرات التي تعلقت بها آمال الأمة الإسلامية علي اختلاف أوطانها منذ أن دخلت مصر في دين الله,ومنذ أن أوصي رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ صحابته بأهلها خيرا, وبأن يتخذوا من أهلها جندا كثيفا, لأنهم خير أجناد الأرض, ولأنهم في رباط إلي يوم القيامة.
ولقد صدق التاريخ علي هذه النبوءة النبوية:
< فمن مصر خرج الجند الذين اقتلعوا الكيانات الصليبية, التي مثلت أولي الحروب العالمية ضد الشرق الإسلامي, والتي دامت قرنين من الزمان!
< ومن مصر خرج الجند الذين كسروا شوكة التتار الذين هددوا الوجود الحضاري للشرق بالدمار والفناء.
< ومن مصر خرج الجند الذين حاربوا البرتغاليين الصليبيين علي شواطيء الهند سنة 1504م عندما التف هؤلاء الصليبيون حول العالم الإسلامي تمهيدا لضرب قلبه ـ مصر ـ والوطن العربي.
< ومن مصر كان الدعم اللامحدود لحركات التحرر الوطني ضد الغزوة الاستعمارية الحديثة, وكان الرباط علي الثغر الفلسطيني لتحرير الأرض المقدسة التي بارك الله فيها للعالمين.
تلك هي مكانة الوطن في الإسلام وفي فكر الإسلاميين, تتحدي حقائقها أهل الجهالة والتزييف !

الاثنين، 8 أكتوبر 2012

أيهما الأساس‏..‏ صلاح الدين أم صلاح الدنيا ؟




  بقلم: ا. د. / محمد عمارة


علي عكس ما يظن كثير من الدعاة‏,‏ يؤسس الإسلام صلاح الدين ـ

 بالمعرفة والعبادة علي صلاح الدنيا ـ بتوفير الحاجات الاجتماعية للناس وتيسيرا لمقومات المادية في المجتمع الذي يعيشون فيه..
وعن هذه الحقيقة من حقائق الاجتماع الإسلامي, يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي,450 ـ505 هـ1058 ـ1121 م]: إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا, فنظام الدين.. بالمعرفة والعبادة.. لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن, وبقاء الحياه, وسلامة قدر الحاجات من: الكسوة والمسكن, والأقوات, والأمن..
ثم يستطرد الإمام الغزالي فيقول: ولعمري! إن من أصبح آمنا في سربه, معافي في بدنه, وله قوت يومه, فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها, فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن علي هذه المهمات الضرورية. وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة, وطلب قوت يومه من وجوه الغلبة, متي يتفرغ للعلم والعمل, وهما وسيلتاه إلي سعادة الآخرة؟. فإذن, بان أن نظام الدنيا, أعني مقادير الحاجة شرط لنظام الدين.
هكذا قرر الاجتماع الإسلامي قبل ظهور الفلسفات الاجتماعية الحديثة ـ أن الأمن الاجتماعي, والاطمئنان علي توافر مقومات الاجتماع البشري والعمران الانساني المادية والمعنوية ـ من صحة البدن, إلي بقاء الحياة, إلي حاجيات الكساء والمسكن والأقوات, إلي الأمن ـ جميع ذلك, قد سلكته الرؤية الإسلامية في عداد الضرورات والحاجيات ـ لا مجرد الحقوق أو الكماليات ثم جعلته الفريضة التي تترتب علي إقامتها فرائض الدين وشعائر العبادات.. وانطلاقا من هذه الفلسفة الاجتماعية والإسلامية صيغت العبارة الشهيرة: صحة الأبدان مقدمة ـ بل وشرط ـ لصحة الأديان!.
ولقد جاء الشيخ محمد الغزالي,1335 ـ1416 هـ1917 ـ1996 م] في عصرنا الحديث ـ فصاغ هذه الفلسفة الاجتماعية الإسلامية في عبارته التي قال فيها: إنه من العسر جدا أن تملأ قلب الإنسان بالهدي إذا كانت معدته خاوية, أو أن تكسوه بلباس التقوي إذا كان جسده عاريا.. إنه يجب أن يؤمن علي ضروراته التي تقيم أوده كإنسان, ثم ينتظر أن تستمسك في نفسه مباديء الإيمان.. فلابد من التمهيد الاقتصادي الواسع والاصلاح العمراني الشامل إذا كنا مخلصين حقا في محاربة الرذائل والمعاصي والجرائم باسم الدين, أو راغبين حقا في هداية الناس لرب العالمين بل إن المواطنة ـ التي هي مفاعلة وتفاعل بين المواطن والوطن ـ قد جعل الإسلام لها مضمونا اجتماعيا أي حقوقا اجتماعية للإنسان علي الوطن الذي يعيش فيه, تجعل لهذا المواطن انتماء للوطن, وغيره عليه, وحافزا للتضحية في سبيله, فتحقيق الانتماء الوطني رهن بتحقيق حقوق المواطن في الوطن الذي يعيش فيه.. وفي هذه المعاني الإسلامية قال الإمام علي بن أبي طالب,23 ق. هـ ـ40 هـ600 ـ661 م]: إن الغني في الغربة وطن, وإن الفقر في الوطن غربة, وإن المقل ـ, المحتاج ـ غريب في بلدته! ].. كما اشار ـ رضي الله عنه ـ إلي مسئولية الذين يحتكرون الثروات عن ضمور الانتماء الوطني عند المحرومين من حقوقهم في أوطانهم, فقال: ماجاع فقير إلا بما متع به غني, وإن الله سائلهم عن ذلك!.
وإذا كان صلاح الدين ـ الذي هو معرفة وعبادة ـ مرهونا بصلاح الدنيا, وتوافر الاحتياجات المادية والمعنوية للإنسان.. وإذا كان تحقق معني المواطنة, والانتماء للوطن, والولاء له, والتضحية في سبيله رهنا بتوافر المضامين الاجتماعية لهذه المواطنة.. وإذا كان الإسلام قد حصر أسباب القتال في الدفاع عن الدين والدفاع عن الوطن ـ الذي هو وعاء إقامة الدين,{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا علي إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فاؤلئك هم الظالمون} ـ[ سورة الممتحنة:9,8] ـ.. فلقد شرع الإسلام القتال ـ أيضا ـ للدفاع عن الحقوق الاجتماعية, وللحصول علي الحاجيات المادية والمعنوية التي بدونها لا يقوم التدين الحق بجوهر الدين.. ففي الحديث النبوي: [ من قتل دون ماله فهو شهيد, ومن قتل دون دينه فهو شهيد ] رواه الترمذي.. نعم.. هو شهيد لأنه قتل وهو يجاهد للحصول علي حقه الذي شرعه الله في القرآن الكريم:{ وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} ـ [ سورة الذاريات:19 ] ـ..
وفي هذه الحقيقة الاجتماعية ـ التي قررها الإسلام ـ يقول الإمام ابن حزم الأندلسي [ 384 ـ456 هـ994 ـ1064 م]:.. وفرض علي الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم, ويجبرهم السلطان علي ذلك, إن لم تقم الزكوات بهم, فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك, وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة.
ولا يحل لمسلم اضطر أن يأكل ميتة أو لحم خنزير وهو يجد طعاما فيه فضل ـ[ زيادة] ـ عند صاحبه المسلم أو الذمي.. وله أن يقاتل عن ذلك, فإن قتل فعلي قاتله القود ـ[ الدية] ـ وإن قتل المانع ـ [للمال] ـ فإلي لعنة الله, لأنه مانع حقا, وهو طائفة باغية, قال تعالي: { فإن بغت إحداهما علي الأخري فقاتلوا التي تبغي حتي تفيء إلي أمر الله } ـ[سورة  الحجرات:9 ]ـ.. ومانع الحق باغ علي أخيه الذي له الحق, وبهذا قاتل أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنها ـ مانعي الزكاة.
هكذا قرر الاسلام ـ قبل ظهور الفلسفات الاجتماعية الحديثة ـ وقبل ظهور النظريات الاجتماعية ـ الثورية قرر:
ان صلاح الدنيا, بتوفير الحاجيات المادية والمعنوية للإنسان, هو الأساس لصالح الدين, بتمكين الإنسان من المعرفة بالله والعبادة لله.. كما قرر أن الولاء للوطن وإخلاص الانتماء إليه لا يتم إلا بتحقيق المضامين الاجتماعية للمواطنة..
بل لقد ربط الإسلام هذه الحقوق ـ التي هي فرائض شرعية وتكاليف دينية, لا يجوز التنازل عنها حتي بالاختيار!.. ربط هذه الحقوق بالدخول في عهد الله ـ سبحانه وتعالي وعهد رسوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وذلك عندما حذر الأغنياء من خروجهم من عهد الله وذمته إن هم تركوا الفقراء محرومين من الحقوق التي قررها الاسلام في أموال الأغنياء.. فقال صلي الله عليه وسلم:[ أيما أهل عرصة ـ ( مكان ) ـ بات فيهم امرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله تعالي] ـ رواه الإمام أحمد ـ.
هكذا يكون الوعي بحقائق الفكر الاجتماعي الاسلامي سبيلا لبلورة الحل الإسلامي لمشكلاتنا الاجتماعية.. بدلا من التسول علي موائد الفلسفات الاجتماعية الغربية التي تتساقط الواحدة منها تلو الأخري!؟
سنة التدرج في الإصلاح


  بقلم: ا.د / محمد عمارة

  في الرؤية الإسلامية‏:‏ التدرج ـ في الكون وفي الاجتماع
  في التقدم وفي التراجع ـ سنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل.
  > فالله ـ سبحانه وتعالي: { إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) } الأعراف
والذي فهمته أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ، وهذا واضح .
ولكن في آية أخرى ذكر الله خلق السموات والأرض فقال : { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ(9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ(10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(12) } فصلت .



> وكذلك كانت سنة التدرج في خلق الانسان الأول, بدأت بالتراب, الذي أضيف إليه الماء, فصار طينا, ثم تحول هذا الطين إلي حمأ ـ أسود ـ مسنونا ـ أي منتنا بسبب التغير, فلما يبس هذا الطين, دون أن تمسه نار, سمي صلصالا, يحدث صوتا ورنينا بسبب يبسه. وبعد هذه المراحل المتدرجة في خلق الجانب المادي لهذا الكائن, نفخ الله فيه من روحه فغدا إنسانا, هو آدم عليه السلام.
> وفي النبوات والرسالات, التي مثلت لطفا إلهيا لهداية الإنسان وسعادته في المعاش والمعاد, كانت سنة التدرج حاكمة أيضا, فلقد واكبت شرائح الدين الإلهي الواحد مراحل تطور الإنسان, حتي إذا بلغ سن الرشد جاءت الشريعة الخاتمة التي صدقت بكل النبوات والرسالات والكتب, والتي مثلت التمام لمكارم الأخلاق.. وجاءت المعجزة العقلية التي ناسبت بلوغ الإنسان سن الرشد, بدلا من المعجزات المادية والخوارق التي كانت تدهش العقول.
> بل إن الشريعة الإسلامية ذاتها قد اكتملت بالتدريج.. فالمواريث شرعت سنة  3 هـ ـ أي بعد ستة عشر عاما من بدأ الدعوة ـ.. ونظام الأسرة قد اكتمل سنة 7 هـ ـ أي عبر عشرين عاما من بدء الدعوة ـ.. والقوانين الجنائية اكتملت سنة 8 هـ أي عبر واحد وعشرين عاما من عمر الدعوة ـ.. وتشريع الخمر, بدأ بالذم, ثم التحذير,, ثم التحريم القاطع سنة 8 هـ ـ أي في العام الواحد والعشرين من عمر الدعوة ـ.. وتحريم الربا قد جاء سنة 9 هـ ـ أي بعد قيام النظام الإسلامي البديل ـ وأزيلت بقاياه في حجة الوداع سنة 10 هـ.
> وفي الاجتماع الإنساني, أكدت الرؤية الإسلامية سنة التدرج. فعلي حين تري الرؤية الوضعية الغربية أن التقدم خط صاعد دائما, وأن التخلف خط هابط أبدا, تؤكد الرؤية الإسلامية سنة التدرج والتداول والدورات.. وفي حديث رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ التعبير عن المنهاج الاسلامي في التدرج والتداول والدورات,, يقول:[ لا يلبث الجور بعدي إلا قليلا حتي يطلع, فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله, حتي يولد في الجور من لا يعرف غيره.. ثم يأتي الله ـ تبارك وتعالي ـ بالعدل, فكلما جاء من العدل شيء ذهب من الجور مثله, حتي يولد في العدل من لا يعرف غيره.]. رواه الإمام أحمد ـ.

> ولقد أكد التاريخ الإسلامي صدق هذه الفلسفة ـ فلسفة التدرج ـ في التقدم والتخلف, في النهوض وفي التراجع. فقواعد الإصلاح لا تنقض ولا تسقط دفعة واحدة, وأنما تنقض ـ كما قال الرسول صلي الله عليه وسلم ـ عروة عروة.. وكذلك الحال في التغيير الذي يزيل الفساد.. وفي الإصلاح الذي يحل الصلاح محل الفساد. ولأن تحول الخلافة الراشدة الكاملة إلي خلافة ناقصة وملك عضود قد نقص ـ في إطار الدولة ـ عروتي الشوري والعدل الاجتماعي, وبالتدرج, فلقد كان الإصلاح والتجديد الذي قام به خامس الراشدين عمر بن عبدالعزيز سالكا ـ أيضا ـ سنة التدريج.
ولقد تحدث عمر بن عبدالعزيز عن حدوث هذا التراجع عن العدل الاجتماعي بالتدرج.. كما تحدث عن منهاجه المتدرج في التغيير والإصلاح.. فقال عن تراجع العدل, في دولة الملك العضود ـ: (( إن الله ـ تبارك وتعالي ـ بعث محمد ـ صلي الله عليه وسلم ـ رحمة الي الناس كافة, ثم اختار له ما عنده فقبضه إليه, وترك للناس نهرا شربهم فيه سواء. ثم قام أبوبكر فترك النهر علي حاله. ثم ولي عمر فعمل علي عمل صاحبه. فلما ولي عثمان اشتق من النهر نهرا, ثم ولي معاوية فشق منه الأنهار. ثم لم يزل ذلك النهر يشق منه يزيد ومروان وعبد الملك والوليد وسليمان, حتي أفضي الأمر إلي وقد يبس النهر الأعظم, ولن يرو أصحاب النهر حتي يعود إليهم النهر الأعظم كما كان عليه )). وكما كان التراجع عن العدل بالتدريج, أخذ عمر بن عبد العزيز ـ في ثورته الاصلاحية ـ يعيد العدل إلي مكانه بالتدريج أيضا.. فلقد بدأ ـ في رد المظالم ـ بنفسه.. ثم بزوجه.. ثم بأمراء بني أمية.. ثم عمم الإصلاح في الأمة جمعاء.. لقد أعلن : (( إن أهلي أقطعوني ما لم يكن لي أن آخذه, ولا لهم أن يعطونه )) , فكان القدوة والأسوة في إعادة العدل الاجتماعي إلي نصابه من جديد.. ولقد سلك في ذلك سنة التدرج, فكان في كل يوم يحيي سنة ويميت بدعة.. وفي ذلك قال المؤرخون له: مازال يرد المظالم منذ يوم استخلف إلي يوم مات.
وحتي مع هذا التدرج, فلقد واجه المصاعب الجمة والتحديات الشرسة من الذين احتازوا ثروة الأمة واحتكروها من دون الناس.. ولقد عبر عن الإصرار علي مواجهة هذه التحديات فقال: (( لو كان كل بدعة يميتها الله علي يدي, وكل سنة ينعشها الله علي يدي ببضعة من لحمي حتي يأتي آخر ذلك علي نفسي, كان في الله يسيرا!. ))
ولم يسلم الواقع الاجتماعي.. في عهد عمر بن عبد العزيز ـ من المتعجلين الذين يريدون تحقيق كل المقاصد دفعة واحدة, غير مدركين الحكمة العظيمة من وراء سنة التدرج في الإصلاح, وغير واعين بأن العجلة ربما هدمت مخطط الإصلاح وسلمه من الأساس!.. ولقد كان ابنه واحدا من هؤلاء المتعجلين, فقال لأبيه: (( يا أبت, مالك لا تنفذ في الأمور؟! فو الله لا أبالي في الحق لو غلت بي وبك القدور! )). وفي مواجهة منطق العجلة هذا جاء رد الخليفة العادل كاشفا عن الحكمة من وراء سلوك سنة التدرج في الإصلاح, فقال لابنه: (( لا تعجل يا بني, فإن الله تعالي ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة. وأنا أخاف أن أحمل الناس علي الحق جملة فيدعوه جملة, وتكون من بعدي فتنة!. ))
بل لقد كشف عمر بن عبد العزيز عن آفاق واسعة لإيمانه بسنة التدرج في الإصلاح, وذلك عندما أعلن أنه ـ في بعض الأحيان ـ يقدم إغراءات وحوافز مادية لتعيين الناس علي تحمل المشاق التي تفرضها عملية الإصلاح, فقال: (( إني لأجمع أن أخرج للمسلمين أمرا من العدل, فأخاف الا تحتمله قلوبهم, فأخرج معه طمعا من طمع الدنيا, فإن نفرت القلوب من هذا سكنت إلي هذا!. ))
> وكما صنع عمر بن عبد العزيز علي جبهة العدل الاجتماعي صنع علي جبهة الشوري, فعزم علي طي صفحة التوريث للسلطة, بإعادة الأمر شوري بين الناس.. وإذا كان الأجل لم يمهله ليصنع ذلك, فلقد أفتي فلاسفة معاصرون له بأن رضي الأمة عن هذا الخليفة العادل قد قام مقام الشوري والبيعة والاختيار له خامسا للخلفاء الراشدين.
هكذا استوت سنة التدرج في الاصلاح قاعدة متبعة.. وهكذا وضعت في الممارسة والتطبيق.
 و في العصر الحديث والواقع المعاصر.. وفي مواجهة المتعجلين الذين يظنون أن استكمال إسلامية المجتمعات الإسلامية إنما يتم دفعة واحدة, دونما حساب لتهيئة هذه المجتمعات, ودونما تكوين لآليات هذا الإصلاح.. في مواجهة هؤلاء المتعجلين, ذوي الإخلاص والنيات الحسنة, قال العلامة أبو الأعلي المودودي: إن الانجليز قد صرفوا قرنا كاملا في تبديل نظامنا القانوني. بدلوا نظام حياتنا أولا شيئا فشيئا, واعدوا رجالا يتفكرون ولا يعملون إلا حسب نظرياتهم وأفكارهم, وعملوا عملا متواصلا علي تغيير أذهان الناس وأخلاقهم ونظامهم الاقتصادي.. لقد وضعوا قوانينهم مكان القوانين القديمة, وغيروا نظام البلاد الاجتماعي. ونحن إذا كنا نريد إقامة الدولة الإسلامية, فلابد أن نتنبه للقاعدة الفطرية التي لا تقبل التغيير , وهي أنه لا يحدث الانقلاب في الحياة الاجتماعية الا بالتدريج, فكل انقلاب فوري متطرف يكون بددا, وإن الذين يظنون أن جميع القوانين القائمة ستلغي دفعة واحدة, وينفذ مكانها القانون الإسلامي فجأة بمجرد إعلان تغيير الحكومة, هم لا بصر لهم بالمسائل العملية. وما إحداث الانقلاب عندهم في النظام الاجتماعي إلا كلعبة الأطفال!. أو هم يتمنون أن يحصدوا زرعهم بعد غرسه علي الفور!.
هكذا استوي المنهاج الاسلامي في التدرج: سنة وقانونا.. وهكذا وضع هذا المنهاج في الممارسة والتطبيق ـ قديما.. وفي الفكر الاسلامي الحديث.