|
|
8 ديسمبر 2012
الحرية ضد العبودية.. والحر ضد
العبد والرقيق.. وتحرير الرقبة عتقها من الرق والعبودية.
فالحرية هي الإباحة التي تمكن الإنسان من الفعل المعبر عن إرادته، في أي
ميدان من ميادين الفعل، وبأي لون من ألوان التعبير.
وفي المصطلح القرآني، الذي يقابل بين الحر والعبد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ
بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى }(البقرة:178).
ومن المأثورات الإسلامية كلمات الراشد الثاني عمر بن الخطاب (40 ق.هـ -
23هـ /584 - 644م) التي يقول فيها: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم
أحراراً؟!».
الحرية والمسؤولية
ولقد كان مبحث الحرية والاختيار أول المباحث التي بدأت بها الفلسفة
الإسلامية في تاريخنا الحضاري، بعد ظهور الإسلام - حول منتصف القرن الهجري
الأول - ولقد دلت ملابسات هذه النشأة على ارتباط «الحرية» بالمسؤولية، في
النظرة الإسلامية، لأن القضية التي أثارت الجدل فولدت البحث في هذه القضية
هي التغييرات التي أحدثتها الدولة الأموية في نظام الحكم الإسلامي، والتي
انتقلت به من الشورى والخلافة الكاملة إلى الخلافة الناقصة والملك العضود،
ومن الصراعات الفكرية والسياسية التي حدثت بين المسلمين حول هذه
التغييرات.. وهل القائمون بها مسؤولون عنها، يحاسبون عليها، فهم أحرار
مختارون؟.. أم أنهم غير مسؤولين، كلياً أو جزئياً، أو لا حساب عليهم، لأنهم
مسيرون مجبرون؟
الحرية الاجتماعية
وإذا كان «التكليف» - وهو عنوان المسؤولية في القانون والفقه الإسلامي -
فرعاً عن «الحرية».. فلقد تجاوزت الحرية - في النظرة الإسلامية - نطاق
الفرد الحرية الفردية إلى النطاق الاجتماعي الحرية الاجتماعية للأمم
والجماعات.. ففي التكليف الإسلامي «فروض عينية» على «الفرد» تستلزم حرية
هذا الفرد المكلف.. وفيها، كذلك «فروض كفائية» - أي اجتماعية - تجب على
الأمة والجماعة، وتستلزم حرية اجتماعية للأمة والجماعة؛ الأمر الذي يقطع
بتجاوز نطاق الحرية - في النظرة الإسلامية منذ البدء - نطاق الفرد إلى
الجماعة والمجتمع، على عكس ما يظن الذين حسبوا مبحث الحرية والاختيار
«فردياً - دينياً» لم يتجاوز هذا الإطار!
فإذا كانت التكاليف الفردية - الواجبة على الفرد، وهي فروض العين - تستلزم
حرية المكلف بها، فإن التكاليف الاجتماعية - الواجبة على الأمة، وهي فروض
الكفاية - تستلزم حرية الأمة المكلفة بها، بل إن هذه التكاليف الاجتماعية -
في النظرة الإسلامية - هي أشد توكيداً من الفروض العينية الفردية، بدليل
أن التخلف عن «فرض العين» إنما يقع إثمه على الفرد، بينما التخلف عن فرض
الكفاية الاجتماعي يلحق إثمه بالأمة جمعاء؛ الأمر الذي يوحي أن حرية الأمة
هي الأساس في الحرية الفردية لآحاد هذه الأمة.
نظرة متميزة
ونظرة الإسلام إلى الحرية، ومن ثم مقامها ومكانتها فيه، نظرة متميزة خاصة
إذا كانت المقارنة مستحضرة نظرة الحضارة الغربية وبعض الحضارات الشرقية
القديمة إلى هذا الموضوع.
فالحرية في النظرة الإسلامية، ضرورة من الضرورات الإنسانية، وفريضة إلهية
وتكليف شرعي واجب، وليست مجرد «حق» من الحقوق، يجوز لصاحبه أن يتنازل عنه
إن هو أراد!
ومقام «الحرية» يبلغ في الأهمية وسلم الأولويات، مقام «الحياة» التي هي
نقطة البدء والمنتهى، وجماع علاقة الإنسان بوجوده الدنيوي.. لقد اعتبر
الإسلام «الرق» بمثابة «الموت» واعتبر «الحرية» إحياء وحياة.. فعتق الرقبة،
أي تحرير العبد، هو إخراج له من الموت الحتمي إلى حكم الحياة، وهذا هو
الذي جعل عتق الرقبة - إحياءها - كفارة للقتل الخطأ الذي أخرج به القاتل
نفساً من إطار الأحياء إلى عداد الموتى، فكان عليه كفارة عن ذلك، أن يعيد
الحياة إلى الرقيق بالعتق والتحرير: {ُوَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}(النساء:92)، وبعبارة واحد من مفسري
القرآن الكريم الإمام النسفي (710هـ/ 1310م): «فإنه (أي القاتل) لما أخرج
نفساً مؤمنة من جملة الأحياء، لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار،
لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها، من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات، إذ
الرق أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكماً(1)، وفي الآية (122) من سورة
الأنعام: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ}، فالإسلام عندما يهدي
إنما يحرر الإنسان من عبودية الطواغيت، وعندما يحرر فإنه يحقق للإنسان
ضرورة الحرية المحققة لمعنى «الحياة» وحقيقة الحياة.
ومن هنا كانت شهادة أن لا إله إلا الله عنوان الحرية التي تحرر كل ملكات
الإنسان وطاقاته من العبودية لكل الطواغيت، فإفراد الذات الإلهية بالعبودية
هو قمة التحرير لعباد الله!
وكلمات الإمام النسفي التي تقول: «إذ الرق أثر من آثار الكفر»، تلفت النظر
إلى الموقف العملي الذي اتخذه الإسلام، إبان ظهوره من نظام الرق وواقع
الاسترقاق.
نظام الرق
لقد ظهر الإسلام ونظام الرق - في شبه الجزيرة العربية أو فيما وراءها -
نظام عام وراسخ وبالغ القسوة، ويمثل ركيزة من ركائز النظامين الاقتصادي
والاجتماعي لعالم ذلك التاريخ، وفي كل الحضارات.. وإذا نظرنا إلى المحيط
الذي ظهر فيه الإسلام، وجدنا الروافد والمنابع المتعددة دائمة الإمداد
«لنهر الرقيق» الزاخر بالجديد من الإرقاء.. فالحروب العدوانية.. والغارات
الدائمة.. والفقر المدقع.. والعجز عن سداد الدين.. والحرابة وقطع الطريق،
وأسواق النخاسة التي تعج بالصغار المجلوبين - فتيان وفتيات - والتي تمثل
مصدراً من مصادر الاستثمار في الرقيق - كانت من المعالم الأساسية لكل
المجتمعات، حتى لا نغالي إذا قلنا: إن الرقيق كان «العملة الدولية» لاقتصاد
ذلك التاريخ! ولقد بلغ من قسوتها وشيوعها ما صنعته القيصرية الرومانية
والكسروية الفارسية - القوى العظمى يومئذ - من تحويل كل شعوب المستعمرات
إلى رقيق وبرابرة وأقنان!
تجفيف الروافد
فلما جاء الإسلام، وقامت دولته بالمدينة المنورة، حرم وألغى كل المنابع
والروافد التي تمد «نهر الرقيق» بالجديد.. ووسع المصبات التي تجفف هذا
النهر، وذلك عندما حبب إلى الناس عتق الأرقاء، بل وجعله مصرفاً من مصارف
الأموال الإسلامية العامة، وصدقات المسلمين وزكواتهم.. وعندما جعل العديد
من الكفارات هي تحرير الرقبة.. وعندما سن شرائع المساواة بين الرقيق ومالكه
وسيده، في المطعم والمشرب والملبس.. ودعا إلى حسن معاملته والتخفيف عنه في
الأعمال.. حتى لقد أصبح الاسترقاق - في ظل هذه التشريعات - عبئاً
اقتصادياً يزهد فيه الراغبون في الثراء!
تجربة إصلاحية
فلم يكن موقف الإسلام من «الحرية» وعداؤه «للعبودية» مجرد موقف «فكري -
نظري»، وإنما تجسد على أرض الواقع تجربة «إصلاحية - ثورية» شاملة غيّرت
المجتمع الذي ظهر فيه تغييراً جذرياً، وذلك هو الذي يحسب للإسلام، ولا تحسب
عليه «الردة» التي حدثت عندما استشرى الاسترقاق في فترات لاحقة من
التاريخ!
لقد وقف التشريع الإسلامي من الاسترقاق عند أسرى الحرب المشروعة، ليبادلهم
مع أسرى المسلمين، بل وشرع لهذه الحالات المحدودة العدد «المن» و«الفداء»:
{فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا
أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا
فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}(سورة محمد:4) (2).
حرية العقيدة
وإذا كان هذا هو مقام الحرية في النظرة الإسلامية، فإن هذه النظرة قد ربطت
قيمة الحرية بالإنسان، مطلق الإنسان، وليس بالإنسان المسلم وحده.. وإذا كان
الدين والتدين هو أغلى وأول ما يميز الإنسان، فإن تقرير الإسلام لحرية
الضمير في الاعتقاد الديني لشاهد على تقديس حرية الإنسان في كل الميادين..
فهو حر حتى في أن يكفر، إذا كان الكفر هو خياره واختياره: {لاَ إِكْرَاهَ
فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}(البقرة:256)، {قَالَ
يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ
وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ
أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ "28"}(هود)، {وَلَوْ شَاء
رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ
النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ "99"}(يونس).
التخيير والتمكين
لقد أراد الله للناس الهدى والإيمان، لكنه - سبحانه - جعل لهم، مع هذه
الإرادة الإلهية، الحرية والتخيير والتمكين، فكان انتصار الإسلام للحرية
الإنسانية في كل الميادين.
وإذا كانت شهادة التوحيد - «لا إله إلا الله» - هي جوهر التدين بالإسلام،
فإنها في مفهومه، ثورة تحرير للإنسان من العبودية لكل الطواغيت، ومن جميع
الأغيار، فإفراد الله بالألوهية والعبودية هو جوهر تحرير الإنسان من
العبودية لغير الله، إنها العبودية للذات المنزهة عن المادة.. ومن ثم فإنها
هي المحققة لتحرير الإنسان من كل ألوان الطواغيت المادية التي تستلب منه
الإرادة والحرية والاختيار.
تحرير الإنسان
بل إن الإسلام عندما يدعو الإنسان إلى الاقتصاد في الاقتناء والامتلاك -
بتهذيبه لشهوات التملك وغرائزه - وبالوقوف بها عند حدود «الاستخلاف»
و«الانتفاع» لا «ملكية الرقبة» و«الاحتكار».. أن الإسلام بصنيعه هذا إنما
ينجز إنجازاً عظيماً على درب تحرير الإنسان، وانعتاقه من العبودية للأشياء،
التي يحسبها مملوكة له، على حين أنه لها مملوك!
لكن للإنسان مذهباً متميزاً في «نطاق» الحرية الإنسانية و«آفاقها»
و«حدودها».. فالإنسان خليفة الله - سبحانه - في عمارة الوجود، ومن ثم فإن
حريته هي حرية الخليفة، وليست حرية سيد هذا الوجود، أنه سيد من هذا الوجود،
وليس سيداً لهذا الوجود، وبعبارة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده (1266 -
1323هـ/ 1849 - 1905م)، فالإنسان عبد وحده، وسيد كل شيء بعده.
ثم إنه «الخليفة.. والوكيل: الحر»، في إطار ونطاق ثوابت ومقاصد الشريعة
التي هي عقد وعهد الاستخلاف والتوكيل.. فحرية الإنسان الخليفة ليست الحرية
الليبرالية الغربية، التي ادعت أن الإنسان هو سيد الكون، وأن حريته الشخصية
- من ثم - لا تخضع لأية قيود.
مفهوم غربي
وعندما وفد هذا المفهوم الليبرالي الغربي في الحرية إلى بلادنا في القرن
التاسع عشر، والقائم «على الإباحة»، وعدم التعرض لأحد في أموره الخاصة،
انتقده علماء الإسلام انتقاداً شديداً.. وكتب الأستاذ عبدالله النديم:
(1261 - 1313هـ/ 1845 - 1896م) فقال:
«.. ولئن قيل: إن الحرية تقضي بعدم تعرض أحد لأحد في أموره الخاصة، قلنا:
إن الحرية عبارة عن المطالبة بالحقوق والوقوف عند الحدود.. وهذا الذي نسمع
به ونراه رجوع إلى البهيمية وخروج عن حد الإنسانية، ولئن كان ذلك سائغاً في
أوروبا، فإن لكل أمة عادات وروابط دينية أو بيئية، وهذه الإباحة لا تناسب
أخلاق المسلمين ولا قواعدهم الدينية ولا عاداتهم، والقانون الحق هو الحافظ
لحقوق الأمة من غير أن يجني أو يغري بالجناية عليها بما يبيحه من الأحوال
المحظورة عندها(3).
الهوامش
(1) النسفي: «مدارك التنزيل وحقائق التأويل»، ج1، ص 189، طبعة القاهرة، سنة
1344م.
(2) انظر: في تفاصيل هذا المبحث كتابنا «إزالة الشبهات عن معاني
المصطلحات»، الرق، ص 474 - 479، طبعة القاهرة، دار السلام، سنة 1431هـ/
2010م.
(3) مجلة «الأستاذ»، العدد التاسع عشر، ص 439، القاهرة، في جمادى الثانية
سنة 1310هـ/ 27 ديسمبر 1892م.
|
لجنة الإغاثة الإنسانية النقابة العامة لأطباء مصر التبرع - نقابة الأطباء مصر : 42 شارع القصر العيني . دار الحكمة . القاهرة. ___ ت : 27949946 ___ تليفاكس : 27959311 بنك فيصل الإسلامي فرع القاهرة _ حساب رقم : 261363 بنك قناة السويس , فرع الدقي __ حساب رقم : 1/3/20737 البنك الوطني للتنمية __ حساب رقم : 500555 جميع فروع نقابات الأطباء على مستوى جمهورية مصر العربية WWW.hra-eg.com
مصر الثورة
with you syria
[IMG]http://shams-d.net/up//uploads/images/domain-b9caecbbc3.png[/IMG]
السبت، 8 ديسمبر 2012
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق