النيل والفلاح المصري
من المماليك الى نهضة محمد على
(2)
بناء
القناطر عهد محمد على باشا :
كانت
أراضي الوجه البحري حتى أوائل القرن التاسع عشر
(( تُروى
بطريق الحياض كري الوجه القبلي , فلايزرع فيها الا مايزرع في الموسم الشتوي ,
ولايزرع مايتم في الموسم الصيفي إلا على شواطئ النيل أو الترع المشتقة منه . فأخذ
محمد على بتغيير نظامها تدريجيا بشق الترع وتطهيرها وإقامة الجسور على شاطئ النيل
ليضمن توفير مياه الري معظم السنة , وأصبحت تُروي الأراضي في غير أوقات الفيضان
بقدر المستطاع عن طريق الترع خاصة بعد إقامة القناطر .
وقد كان
السبب في قيامه بإنشاء القناطر الخيرية وهي من أجَّل أعماله أن كثيرا من مياه
الفيضان تضيع هدرا ً في البحر , ثم تفتقر الأراضي لمياه الري خلال السنة فأنشأ تلك
القناطر لأحياء الزراعة الصيفية في الدلتا .
وقد كان
مركز القناطر في نقطة انفراج فرعي النيل المعروفة " ببطن البقرة " )) .
وعهد
محمد علي بهذا المشروع لدراسته من قبل كبار المهندسين الفرنسيين , فالمسيو ( لينان
) كبير المهندسين , وضع تصميم وشُرع العمل فيه وكان يتألف المشروع من قنطرتين
كبيرتين على فرعي النيل بينهما رصيف كبير , وشق ثلاث ترع كبرى تتفرع عن النيل وراء
القناطر لتغذية الدلتا . ثم توقف العمل لهذا التصميم .
·
إنشاء القناطر :
كان عمل
إنشاء القناطر الخيرية من تصميم ( موجيل ) بك Mougel ومن المهندسين المصريين الذين عاونوا فيه :
محمد مظهر باشا , ومصطفى بهجت باشا اللذان تخرجا من البعثات العلمية التي أرسلها
محمد علي الى أوروبا لدراسة آخر المستحدثات في العلوم والحرف والفنون .
·
آراء العلماء في المشروع :
يشهد
بذلك المسيو شيلو Chelu
: (( أن مشرع القناطر هو أكبر أعمال الري في
العالم قاطبة , لأنه فن بناء القناطر على الأنهار لم يكن بلغ من التقدم مابلغه
اليوم , فإقامة القناطر الخيرية بوضعها وضخامتها كان يُعد إقداما يداخله شيء من
المجازفة ))
ويقول
المسيو بارو Baro : (( هذه أول مرة أقيمت فيها قناطر كبرى من هذا النوع على نهر
كبير )) .
عصر محمد
علي – الرافعي – ص 493, 494, 495 .
الترع
والسدود التي أنشأها محمد علي والفلاح المصري :
رغم
الكثير من الانجازات التي يحفل بها سجل الباشا محمد علي من تشييد لحالة العُمران
في مصر ومن ضمنها كما سنبين ترع وسدود إلا أن هذه الانجازات تبين المشاق والتضحيات
التي دفع ثمنها الفلاح المصري البسيط كما هي عادته على مر التاريخ , وأن هذه
التضحيات لم يدفع ثمنها بالعرق والجهد المضني , بل بالدماء والأنفس والأرواح , فهي
تدل من وجهة نظرنا على دور الشعب المصري المكافح على مر العصور منذ بدء تدوين
تاريخه من الحضارة الأولى الفرعونية والى وقتنا الحاضر , فتحتاج الى دراسات
معمقَّة عن معدن وأصالة وكفاح المواطن البسيط وارتباطه بالزراعة التي هي أساس
التحضر والمدنية .
واذ نرى
أن تعريف الحضارة هو , " في انتقال الانسان من طور البداوة الى التوطن والعمل
على الزراعة والصناعة "
ويعنينا
أن الفلاح المصري من أفضل أصناف الفلاحين جميعا لكفاحه وارتباطه الوثيق بالأرض
ومحافظته على القيم والمبادئ والأعراف .
منشآت
الري : ( القناطر – السدود – شق الترع )
1 – ترعة
الفرعونية :
من أول أعمال محمد علي والفلاحين المصريين في
منشآت الري الزراعية هو تشييد سد ترعة الفرعونية , فقد ذكر المؤرخ الكبير الجبرتي
إتمامه في شهر ربيع الأول سنه 1224 هجرية ( أبريل سنة 1809 م ). ((وفي هذا قد ذكر
المسيو لينان دي بلفون – كبير مهندسي الري في عهد محمد علي – أن هذه الترعة تصل بين
فرعي النيل بادئه من بير شمس ومارة بمنوف ثم تصب في فرعي رشيد , والغرض منها تغذية
الفرع من مياه فرع دمياط , وأن هذه الترعة أضرت بالأراضي القائمة على فرع دمياط
ومن المنصورة حتى مايليها شمالا , ونتيجة لقلة الماء من هذا الفرع بسبب استنفاذ
الترعة فكان ماء البحر يختلط بماء النيل ويفسد بملوحته . وبالتالي تنعدم زراعة
الأرز من تلك الجهات من مياه عذبة )) .
عصر محمد
علي – الرافعي – ص 487.
2 – ترعة
المحمودية :
من أعمال
محمد علي والفلاحين المصريين شق ترعة المحمودية
( خليج الأشرفية ) فعمل على حفرها بعد أن طمرتها
الرمال , وقد كان الباشا يتعهد بنائها بنفسه وعُني بها عناية كبيرة .
وكان
الغرض من شق تلك الترعة إحياء الأراضي الزراعية في مديرية البحيرة - قبل أن تصبح البحيرة محافظة في وقتنا الحاضر-
وتعد هذه
طريق مواصلات نيلية بين الاسكندرية وداخل البلاد , فطريق المواصلات قبلها كان من
طريق رشيد .
وفي ذلك
يقول المؤرخ الكبير الأستاذ عبد الرحمن الرافعي : (( أن حفر هذه الترعة بُذل فيه
مجهودات هائلة ومتاعب جسيمة وضحايا كثيرة احتملها المصريون , واحتسبوا فيها
وصابروا وصبروا , ويكفيك لتعرف مبلغ الضحايا ماقاله في هذا
الصدد
المسيو ( مانجان ) الذي كان شاهد عيان لحوادث ذلك العصر . فمات من الفلاحين الذين
اشتغلوا في حفر تلك الترعة – ترعة المحمودية – اثنا عشر ألفا في مدة عشرة أشهر .
وأن هؤلاء الموتى دُفنوا على ضفتي الترعة تحت أكداس التراب , أن معظمهم مات من قلة
الزاد والمؤونة وبسبب العمل المهلك دون انقطاع من الفجر الى الليل , واذ يبلغ
مجموع من اشتغلوا في حفر الترعة 313000 من الفلاحين ....))
عصر محمد
علي : ص 488 .
وكان من ثمار
انجاز شق تلك الترعة تمهيد المواصلات وجريان السفن بين الاسكندرية وداخل البلاد
وكانت سببا في عمران البلاد التي مرت بها في اقليم البحيرة , وأفادت الاسكندرية في
عمرانها فائدة كبرى وكثر الزرع وغرس الأشجار والحدائق في ضواحي المدينة وأصبحت
ملتقى المتاجر " وظهر الفرق بين عمران الاسكندرية في هذا العهد وبين ماكانت
عليه في وقت الحملة الفرنسية قبل مجيء محمد علي للحكم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق