رؤية الغزالي للإعتدال الاسلامي بين
..الشيوعية ..والرأسمالية (1) .
نقد الرأسمالية :
(( الفكرة الرأسمالية تقوم على حرية العمل
والاستثمار والتملك, وترى أن الفرد مادام واسع الذكاء والحيلة , جمّ النشاط والسعي
, فله أن يحوز مايشاء من مال مادامت سوق المنافسة حرة , ومادامت طرائق الجمع
مشروعة , ومن الظلم أن توضع القيود أمامه , لتشل إنتاجه في ميادين العمل المختلفة
.
وهذا كلام وجيه في ظاهره , ولقد لقي قبولا
ورواجا في القرون الأولى , ثم لوحظ على مر الأيام أنه لايكاد ينفك عن الماّخذ
الأتية :
1- تستبد
بالرأسماليين شهوة جمع المال من كافة الوجوه الممكنة , فلايبالون باستغلال جهود
العمال , وانتقاص حقوقهم , وتسخير مواهبهم , فما ينسب في النهاية الى صاحب العمل
من نجاح مايضاف الى اسمه من ثروة , ليس كله في الحقيقة له .
2- ينسى
الرأسماليون حقوق الله والناس في أموالهم , ويتهربون من أداء الواجبات الدينية
والاجتماعية المنوطة بهم .
3- اذا كان
بين هؤلاء من يعين في مشروعات الخير , ويساهم في نواحي البر , فإن ثرواتهم تنتقل
بنظام التوارث الى أقوام لاعمل لهم .
4- البيوت
المالية الكبرى تتعاون على قتل صغار الرأسماليين أو " الرأسمالية الصغيرة " من الناشئين
, وتفسد الاسواق أمام نشاطهم الاقتصادي , وبهذا يضيع معنى التنافس الحر.
على أن هذه الماّخذ تختلف نسبتها بين قطر
وقطر , ويقل الاحساس بخطورتها بين شعب وشعب . وقد عالجتها الحكومات بفرض الضرائب
القاسية . وسن تشريعات العمل الكثيرة , ولكن الداء في مكمنه باق عنيد .
وقد تخف حدته أو تثقل وطأته تبعا لضعف
الرقابة عليه او يقظتها )) .
الشيخ / محمد الغزالي : الاسلام والمناهج
الاشتراكية ص 109 – 110.
والرد الاسلامي كان أبلغ بشرعه الحكيم
العادل نحو ذهاب الرأسمالية الى احتكارها لوسائل الانتاج والملكية , وفي هذا يتجه
البلاغ النبوي العظيم ويقول على لسان مصطفاه – صلوات الله وسلامه عليه – الى طائفة
المحتكرين :
[
الجالب مرزوق والمحتكر ملعون ] رواه ابن ماجة عن عمر .
وقال : [ بئس العبد المحتكر : إن أرخص الله
الأسعار حزن , وإن أغلاها فرح ] رواه البيهقي في شعب الايمان والطبراني في الكبير
عن معاذ .
" وفي وصية الإمام علي التي وجهها الى
الأشتر النخعي لما ولاه ( مصر) – يوصيه بالتجار – بمثابة دستور الحكم الراشد بين الوالي والرعية , فقال
: واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقا
فاحشا , وشحا قبيحا واحتكارا للمنافع , وتحكما في البياعات , وذلك باب مضرة للعامة
وعيب على الولاة فامنع من الاحتكار فإن
رسول الله منع منه .
وليكن البيع بيعا سمحا بموازين حلال ,
وأسعار لاتجحف بالفريقين من البائع والمبتاع , فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل
به وعاقب في غير اسراف "
ويشرح العلامة الغزالي – رحمه الله – لعلاج
الاحتكار من وجه نظر بعض المنظرين الرأسماليين
من خلال فرض الضرائب التدريجية على الدخل , فيرد عليهم : (( ان ليس في هذا
التشريع ابداع واستكشاف ؛ لأن الزكاة والصدقة من أسس التشريع المحمدي )) .
الشيخ / محمد الغزالي : الاسلام والمناهج الاشتراكية ص 113.
نقد الشيوعية :
(( أما الفكرة الشيوعية في طورها الأخير
فتقدم أساسا للتنظيم الاقتصادي يعتبر مغريا للطبقات الضائعة من الناحية النظرية , أما من الناحية التطبيقية
فما يبلغنا من شتى المصادر يبعث على الأسى ويشير الى هوان انساني من طراز اّخر
...))
1 – سيطرة الدولة على الملكية والديكتاتورية
وخنق الحريات :
((
نلاحظ عموما أن ثمة مبالغة في سيطرة الدولة على الفرد , وفي مصادرة الملكية مصادرة
عنيفة شاملة . مع أن الحاجة ماسة الى جعل المرافق العامة وحدها ملكا للدولة . أما
المرافق الخاصة التابعة للملكيات الخاصة , فلا ضير على الشعب من بقائها تحت أيدي
أصحابها , بل ذلك أنمى وأجدى .
· تنص المادة
العاشرة من دستور الجمهوريات السوفيتية على أنه [ يحمي القانون للمواطنين حقهم في
الامتلاك الشخصي للدخل الناتج من عملهم ومدخراتهم والمنازل التي يقطنونها وأثاث
البيوت , والأمتعة والأدوات المخصصة للاستعمال الشخصي ولتوفير الراحة ..وحقهم في
وراثة الملكية الشخصية , أي المنقولات ]
أما غير المنقولات من عقارات وخلافه , فطبعا لا , لأنها تنتقل الى الدولة
بمجرد الوفاة .
· تنص المادة
الخامسة أن [ الملكية الاشتراكية إما أن
تأخذ شكل تملك الدولة فتكون الثروة للشعب عامة أو شكل الملكية التعاونية أو
الجماعية ] مزارع جماعية منفصل بعضها عن بعض .))
المرجع السابق : ص 111.
من ضمن المبادئ الشيوعية من
خلال منهاج " الانترناشيونال" الثالث
:
· إلغاء
ملكية الأفراد للأراضي .
· فرض ضريبة
تدريجية على الدخل .
· إلغاء حقوق
الوراثة ( الارث ) .
· جعل جميع
طرق النقل والاتصال من سكك حديدية , وقطر ترام , وتلغرافات , وتلفونات ملكا للدولة
.
· إلغاء
الفوارق الطبقية وجعل السلطة المطلقة بين أيدي العامة .
· يقول كارل
ماركس : " إن الدكتاتورية هي شرط لازم للمبادئ الشيوعية ...".
· تنظيم
العلاقة بين الزراعة والصناعة .
يدعو بعض الداعين الى إلغاء نظام الارث من أجل تحقيق سيادة الملكية التعاونية ؛ إلا أن
هذا الإلغاء مناقض للشريعة الالهية التي تعلن الفرائض بصراحة , وقد جاء في سورة
النساء :
{ للرجالِ نَصيبٌ مِما تَرَكَ الوالِدانِ
والأقربُونَ وللنِسَاءِ نَصيبٌ مِما تَرَكَ الوالدانِ والأقربُونَ مِمَّا قَلَّ مِنهُ
أَو كَثُرَ نصيباً مَفروضاً } سورة النساء : الاّية 7.
المرجع السابق : ص 113
(( موقف الشيوعية من مبدأ الاوراثة :
تحارب الشيوعية مبدأ التوريث نفسه ولاتكاد
تقره الا في توافه المتاع – مثل الأغراض الشخصية – وحجتها أن الميراث قد ينقل
أموالا طائلة لمن لايستحقون بعملهم شيئا منها . و أن ذلك ينافي العدالة , وينافي مبدأ
تكافؤ الفرص ...
* الغزالي : هذا كلام عليه مسحة من الصدق ,
بيد أنه مغشوش لمن فطن الى جوهره ..
الوراثة
سنة ثابتة مطردة تنقل مقادير هائلة من الخصائص والصفات المادية والمعنوية ,
وتحملها بأمانة عن الموتى المدبرين الى ذراريهم الناشئين . وقوانين الوراثة معروفة
في علوم الأحياء والاعتراف بأثارها لامندوحة عنه والمجتمعات كلها تعترف بالذكاء
والنباهة والقوة – وهي بعض مايورث – وتقدم ذويها . وتحتقر الغباء والبلادة والضعف –
وهي بعض مايورث كذلك – وتؤخر ذويها .
ومبدأ تكافؤ الفرص لايتدخل في
توزيع المواهب على البشر ! ))
فقد حدد الاسلام أنصبة التركة لكل حالة على
حدة بميزان لايميل ذرة الى الشطط أو الى المنع والحرمان (( وقدر مصارف الحلال للفرد حتى اذا جنح بعدها
للتبذير أو المتلفة أمكن الحجر عليه الى أن يرشد )) .
المرجع السابق : ص 142 – 143 .
2 – فكرة إلغاء الفوارق الطبقية :
(( البند الخاص بإلغاء الفروق بين الطبقات
وجعل السلطة المطلقة في يد العامة , فإنه تشريع لايقره عقل ولايتسامح فيه منطق ؛
لأن الإنسان يتفاوت في أخلاقه وكفاءته وقواه العقلية والجسمانية ونشاطه تفاوتا
يزيد أو ينقص , وليس بين العلوم البشرية مايخالف هذا التفاوت الحقيقي : {
وَرَفَعنا بَعضَهُم فَوقَ بَعضٍ دَرَجات ٍ } سورة الزخرف : الاّية 32.
وهناك تشريع للشيوعية يتعلق بالله والإلحاد
, ومشاعة المرأة , وسيطرة الحكومة على الأطفال بعد الثانية من عمرهم .
وإنه لتشريع يناقض العقل كما يناقض شريعة
الرسول الأعظم محمد بن عبدالله )).
المرجع السابق : ص 113 – 114.
من المأّخذ التي تؤخذ على النظام الشيوعي
والتي تقترن بمقابح فلسفتها المادية , أولا:
قائمة على الإلحاد والاباحية .
ثانيا : الاستبداد السياسي,وخنق
الحريات,وسيطرة الدولة على كل مقدرات الامة .
4 – الملكية لدى النظام الشيوعي :
(( أنها تصادر مبدأ الملكية مصادرة عنيفة
شاملة . والملكية نوعان : ملكية انتاج وملكية استهلاك , والشيوعية تعطي الناس حق
الامتلاك والادخار لما يكسبون من أعمالهم وجهودهم . ومعنى هذا أن الدولة لاتتدخل
هناك فيما يملكه المرء اذا اقتصر انتفاعه منه على شخصه.
· أما اذا
حاول فيما يمتلك أن يسخر الأّخرين في عمل تدخلت الدولة في الحال مانعة .
· فلك أن
تبني بيتا تسكنه , وليس لك أن تؤجره !
بيد أننا اذا رفضنا هذا الالحاد الاقتصادي
فليس لنا ان نرضى بالالحاد الثقافي أو الالحاد التشريعي أو الالحاد الاجتماعي الذي يسود بلادنا في ظل
الرأسمالية الجاثمة على صدورنا .
فإذا قيل لنا:حاربوا الشيوعية لأنها إلحاد , فلنقل : سنحاربها .
ولكن أنسكت عن الرأسمالية التي تحتضن أفانين
من الكفر والعبث والمجون ؟!
بل هذه أولى بالكفاح السريع فهي عدو مقيم .
أما الشيوعية فعدو بيننا وبينه أميال وأميال )).
المرجع السابق : ص 114 – 115 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق