مصر الثورة





سوريا نحن معكم




with you syria

[IMG]http://shams-d.net/up//uploads/images/domain-b9caecbbc3.png[/IMG]




الثلاثاء، 16 أبريل 2013

التطور الفكري للدكتور طه حـسين - العبرة بالخواتيم ( 2 )





العبرة بالخواتيم ( 2 )
كتب الدكتور محمد عمارة
جريدة الأخبار المصرية 19/5/2006 م
هكذا كانت رحلة الدكتور طه حـسين مع الإسلام
والقـرآن , ومع رسول الاسلام صلى الله عليه وسلم ومع روحانية الايمان ..وكـما يقولون : فـإن العبرة بالخـواتيم ..**

السبيل واضحة بينة مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء , وهي واحد فذة ليس فيها تعدد , وهي أن نسير سيرة الأوروبيــين ونسلك طريقهم .. في الحضارة خيرها وشرها , حلوها ومرها , مايحب منها وما يكره , مايحمد منها وما يعاب .. وان الإسلام قد تقبل الحضارة اليونانية , فلم لايتقبل الحضارة الفرنسية – والحضارة الغربية و الفرنسية قائمتان على أساس واحد هو الحضارة اليونانية اللاتينية ؟ …ولقد التزمنا أمام أوروبا أن نذهب مذهبها في الحكم  , ونسير سيرتها في الادارة , ونسلك طريقها في التشريع .. ولو أننا هممنا أن نعود أدراجنا , وان نحيي النظم العتيقة , لما وجدنا الى ذلك سبيلا , ولوجدنا أمامنا عقابا لاتجازولاتذلل , عقابا نقيمها نحن لاننا حراص على التقدم والرقى , وعقابا تقيمها أوروبا لاننا عاهدناها ان نسايرها ونجاريها في طريق الحضارة الحديثة )) !! وفي نص آخر , بالفرنسية ترجم بعد وفاة الدكتور طه حـسين – أخذ يسفه من الجهود التي بذلها الامام محمد عبده في الاصلاح الديني , والتوفيق بين العلم والدين الاسلامي .. ذاهبا الى اننا نتجه نحو الغرب في سرعة وابتهاج , دونما التفات إلى الدين !! فقال : (( ان العالم الاسلامي قد أصابه التغيير .. ولم يعد محمد عبده مواكبا للعصر .. لقد صارت كل أفكاره بشأن العلم والدين بالية .. متخلفة , وغير صالحة للبقاء .. وقليلون هم المسلمون الذين يهتمون بالتوفيق بين ايمانهم والمعارف التي حصلوها , وهم يندفعون بابتهاج نحو الحـضارة الغربية , ويتخذونها مثلا أعلى )) !!
·                كانت تلك هي المحطات الثلاث التي أثمرت أهم المعارك الفكرية الكبرى بين الاسلاميين وبين الدكتور طه حـسين حول ماكتبه عن الاسلام – علاقته بالدولة ..ومرجعيته لمشاريع النهضة والتقدم والاصلاح .. والتي بدأت بعدها تدريجيا .. وفي صمت استدعاه الكبرياء الذي كان عليه عميد الأدب العربي – بدأت التحولات الفكرية الكبرى في عقل ووجدان طه حـسين .. والتي أثمرت مواقف فكرية يجهلها – مع الأسف الشديد كثير من الاسلاميين .. ويتجاهلها – مع أسف أشد – كثير من العلمانيين .. الأمر الذي يستدعي تتبع التطور الفكري لهذا العلم من أعلام أدبنا وفكرنا الحديث والمعاصر .. وذلك لانصاف الحقيقة ..ولانصاف الرجل من أنصاره وخصومه على السواء.
·                لقد كان الدكتور طه حـسين ( 1306 – 1393 هـ 1889 – 1973 م ) ابنا بارا من أبناء هذه الأمة .. وكان عقلا مجتهدا , يلتمس طريق التجديد لحياة هذه الأمة وفكرها .. وكان واحدا من جيل الرواد الذين حسبوا أن (( التخلف العثماني )) هو (( الاسلام )) , فبحثوا في النموذج الغربي عن سبيل التقدم والنهوض .. لم يكن الرجل – وكثيرون من الذين انبهروا بالغرب – وكان يومها مزدهرا .. لم تتكشف بعد أغلب عورات حضارته – عميلا للغرب , وانما كان باحثـا عن الحق .. يصيبه حينا ويخطئه حينا آخر .. وكان مسلما يؤمن بأن من اجتهد فأخطأ فله أجر ومن اجتهد فأصاب فله أجران ..
·                ولأن دعوى طه حـسين حول يونانية العقل الشرقي , وعدم تغيير القـرآن والاسلام لهذه اليونانية , ومن ثم حتمية أن نكون غربا – في حاضرنا ومستقبلنا – في الادارة والحكم والتشريع – دونما التفات الى الدين الاسلامي , ولا إلى التمايز الحضاري .. لان هذه الدعوى كانت أخطر الادعاءات التي خالف فيها الرجل ثوابت الحضارة الاسلامية وقسماتها المتميزة , فلقد بدأ قلق الرجل إزاء صحة هذه الدعوى منذ وقت مبكر في مسيرة تحولاته الفكرية .. فكتابه (( مستقبل الثقافة في مصر )) – الذي ادعى فيه هذه الدعوى – قد صدر ونقد  سنة 1938 م . لكن طه حـسين لم يعد طبع هذا الكتاب – طوال حياته – كما كان يعيد طبع جميع كتبه الأخرى فور نفاد طبعاتها !!..
·                وكان هذا الموقف من إعادة طبع هذا الكتاب وحده . إشارة – غير معلنة – إلى مراجعته – وربما تراجعه – عن هذه الدعوى التي جاءت فيه .

حتى اذا كانت سنة 1971 م .. فسئل الدكتور طه حـسين – في حديث معه نشره (( الأهرام )) – في أول مارس سنة 1971 م عن رأيه في هذا الكتاب .. فإذا به يقول : ((..ده كُتِب سنة 1936 م .. قُدِم قوي , عاوز يتجدد , ويجب أعود إليه , وأصلح فيه بعض حاجات , وأضيف ..! )) ..
فكانت هذه أولى محطات المراجعات الفكرية في مسيرة الدكتور طه حـسين ..
·                أما المحطة الثانية في هذه المراجعات الفكرية فهي ماكتبه عن القـرآن في كتابه
 (( الفتنة الكبرى ))  - في النصف الثاني من عقد الأربعينيات – في القرن العشرين – فبعد الجرأة والجموح الذي حدث منه إزاء القـرآن في كتاب (( في الشعر الجاهلي )) سنة 1926 م ..هاهو طه حسـين يقول عن القرآن الكريم : (( لقد قلت في بعض أحاديثي عن نشأة النثر عند العرب : إن القـرآن ليس شعرا , ولانثرا , وإنما هو قـرآن , له مذاهبه وأساليبه الخاصة في التعبير والتصوير والأداء )) .
فيه من قيود الموسيقى مايخيل إلى أصحاب السذاجة أنه شعر , وفيه من قيود القافية ما يخيل إليهم أن سجع , وفيه من الحرية والانطلاق والترسل ما يخيل الى بعض أصحاب السذاجة الآخرين أنه نثر .
ومن أجل هذا خـدع المشركون من قريش , وكذبوا في ذلك تكذيبا شديدا . ومن أجل هذا خدع كذلك بعض المتبعين لتاريخ النثر ,فظنوا أنه أول النثر العربي , وتكذبهم الحقائق الواقعة تكذيبا شديدا , فلو حاول بعض الكتاب الثائرين  - وقد حـاول بعضهم ذلك  - أن يأتوا بمثله لما استطاعوا إلا أن يأتوا بما يضحك ويثير السخرية ! نعم .. كتب طه حـسين ذلك – وهو أحد بلغاء العصر – والخبير بأسرار التركيب والإعجاز في الأساليب العربية .. فكانت محطته الثانية في مراجـعـاته الفكرية ..
·                أما المحطة الثالثة في المراجعات الفكرية للدكتور طه حـسين , فلقد كانت سنة 1953 م ..
فعقب ثورة يوليو 1952 م , قامت الثورة بإلغاء دستور سنة 1923 م .. وكونت لجنة من خمسين عضوا لوضع دستور جديد .. وكان طه حـسين واحدا من هؤلاء الخمسين .. وفي اجتماع من الاجتماعات التي كانت تناقش حقوق المرأة , دعا الدكتور عبـدالرحـمن بدوي (( 1335 – 1423هـ / 1917 – 2002م )) إلـى النص في الدستور على المساواة التامة والمطلقة بين النساء والرجال , فـإذا بالدكتور طه حـسين – الذي سبق له وشكك في بعض ما جاء بالقـرآن الكريم .. وانحاز للعلمانية .. ودعا الى تنحية الاسلام جانبا من مكونات الدولة ومـرجعية المدنية والحضارة والاصلاح – اذا به هو الذي يتصدى لدعوة الدكتور عـبد الرحـمن بدوي , فيقول : (( إنه من المقطوع به أن الأغلبية لن تقبل أن تخرج عند وضع الدستور , على ما أمر به الاسلام , وإنه ليس هناك مقتض يسمح لنا بأن نعدل عن نص القـرآن .. وإنه اذا وجد نص ديني صريح ..فالحكمة والواجب يقتضيان ألا نعارض النص , وأن نكون من الحكمة ومن الاحتياط بحيث لانضر الناس في شعورهم , ولافي ضمائرهم , ولافي دينهم , واذا احترمت الدولة الاسلام فلابد أن تحترمه جملة وتفصيلا .. ولايكون الايمان ايمانا ببـعض الكتاب وكفرا ببعضه الآخر )).
نعم ..دعا الدكتور طه حـسين إلى حاكمية القـرآن والاسلام وشريعته على الدستور والقانون ..وذلك بعد أن كان – سابقا – يقول : (( إن السياسة شئ والدين شئ آخـر , وإن نظام الحكم وتكوين الدول إنما يقومان على المنافع العملية قبل أن يقوما على أي شئ آخــر .. وهذا أصل من أصول الحياة الحديثة .. وإن وحدة الدين ووحدة اللغة لاتصلحان أساسا للوحدة السياسية ولاقواما لتكوين الدول ..وإن جوهر الاسلام ومصدره هما جوهر المسـيـحيـة ومصدرها ..

ليست هناك تعليقات: