· أخلاق محمد
عبده نحو الأثرياء والحكام الظالمين :
علمته هذه النشأة الاعتزاز بالمجد
والأصالة , وعدم الربط بين هذه الأصالة وبين الغنى والثروة , والضن باحترامه على
أهل الثراء , خصوصا المسرفين منهم والعاطلين عن الكفاءة , وأيضا الضن بهذا
الاحترام على الحكام الظالمين ..ولقد لمس الأفغاني فيه هذا الخلق السامي فقال له :
(( قل لي بالله .. أي أبناء الملوك أنت ؟! )) . وقال عنه الخديو عباس : (( إنه
يدخل على كأنّه فرعون ! )) . ص 24
[ يخطئ الاستاذ العقاد في التأريخ
لهذا الحدث في كتابه عن الامام , فجعله في العاشرة من عمره سنة 1859 م ]
· الكتب
الفكرية والفلسفية التي كان يشرحها ويدرسها ( عبده ) لطلبة الأزهر :
واصل بعد تخرجه تدريس كتب المنطق ,
والكلام المشوب بالفلسفة في الأزهر .. وقد كان حتى قبل تخرجه يعيد على طلبة الأزهر
إلقاء دروس الأفغاني في منزله , والكتب التي يشرحها ويعلق عليها , فقرأ لهم (
إيساغوجي ) في المنطق ,( وشرح العقائد النسفية ) لسعد التفتازاني , مع حواشيه و (
مقولات السجاعي بحاشية العطار ) , وغيرها .. وعقد في بيته درسا شرح فيه لبعض
الطلبة بعض المؤلفات الفكرية الحديثة والقديمة , مثل : ( التحفة الأدبية في تاريخ
تمدن الممالك الأوروبية ) للوزير الفرنسي (( فرانسوا جيزو )) تعريب الخواجة
نعمة الله خوري , وقرظه في ( الأهرام ) هو وأستاذه الأفغاني . وكتاب ( تهذيب
الأخلاق ) لأبن مسكويه .
في سنة 1878 م ( أواخر سنة 1295 هـ )
عين مدرسا للتاريخ بمدرسة دار العلوم , فقرأ على طلابها مقدمة ابن خلدون , وألّف
لهم كتابا , ضاعت أصوله , هو ( علم الاجتماع والعمران ) , وعين مدرسا للعلوم
العربية في مدرستي الألسن والادارة .
أبرز أعماله الفكرية في هذه المرحلة ,
بعد دروسه وتدريسه , ومقالاته في الصحف , وهي : ( تقريظ جريدة الأهرام ) و (
الكتابة والقلم ) و ( العلوم الكلامية , والدعوة إلى العلوم العصرية ) , وتقديم
تقريظ الأفغاني لكتاب ( التحفة الأدبية ) , كما صاغ في هذه المرحلة العديد من آثار
أستاذه الأفغاني , مثل : حاشيته على شرح الدواني للعقائد العضدية , وفلسفة
التربية , وفلسفة الصناعة , ورسالة الواردات ..وصاغ أيضا الرسالة التي ترجمها على
باشا مبارك , ونشرها بالأهرام بعنوان ( المدبر الإنساني والمدبر العقلي الروحاني )
. ص 28 – 29
· دور محمد
عبده الوطني والسياسي :
في سنة 1880 م ( أواسط سنة 1297 هـ )
استصدر رياض باشا – ناظر النظار – عفوا من الخديو توفيق عن الامام , واستدعاه من
قريته , وعينه محررا ثالثا في ( الوقائع المصرية ) فاستهل كتابته بها في 19 يوليو
سنة 1880 م , وفي 9 أكتوبر الأول من نفس العام عيّن رئيسا لتحريرها ( محررا أول
للصحيفة العربية الرسمية ) , وتولى مسئولية الرقابة على المطبوعات .
في 28 مارس سنة 1881 م ( 28 ربيع
الآخر سنة 1298 هـ ) أنشئ المجلس الأعلى للمعارف العمومية , وعيّن الامام عضوا فيه
.
في هذه الفترة أبعد عن الاشتغال
بالتدريس , وعمل بالصحافة والسياسة .. ولذلك برز اختلافه عن الأفغاني في وسيلة
النهضة بالشرق والشرقيين ؛ ( فهو عندما يدرس لايختلف عن الأفغاني إلا في درجة
الميل إلى الفلسفة .. ولكن عندما يعمل بالسياسة العليا والمباشرة يبدو الفرق بينهما
واضحا .. فرق المصلح من الثوري ) .
انضم مع الحزب الوطني الحر إلى
العرابيين بعد مظاهرة عابدين في 9 سبتمبر سنة 1881 م , .. ثم ألقى بكل قواه في
الثورة بعد المذكرة الثنائية الانجليزية – الفرنسية إلى مصر في يناير سنة 1882 م
عندما تهددت الأخطار الأجنبية استقلال مصر . وظل في مكانه من المسئولية والقيادة
مع الثوار حتى هزيمة الثورة في سبتمبر سنة 1882 م .
بعد هزيمة الثورة سجن ثلاثة أشهر ..
ثم حكم عليه بالنفي ثلاث سنوات بدأت في 24 ديسمبر سنة 1882 م , ولكنها امتدت إلى
ما يقرب من ست سنوات .ص 30 – 31
· تحدي عبده
لسلطة الحكام :
عندما عاد
الامام إلى مصر اتخذ لنفسه سكنا في شارع (( الشيخ ريحان )) , بالقرب من قصر عابدين
.. ولما زاره صديقه عبدالعزيز أفندي سلطان طرابلسي , وسأله عن سر اختياره هذا
المكان للسكنى , قال له : (( حتى نناطح عابدين مناطحة )) ! ص 38.
· المناصب التي
تولاها الاستاذ الامام بمصر بعد عودته من المنفى :
في سنة 1892 م ( سنة 1310 هـ ) اشترك
في تأسيس (( الجمعية الخيرية الاسلامية )) , التي تهدف لنشر التعليم وإعانة
المنكوبين , وتولي رئاسة هذه الجمعية في سنة 1900 م ( سنة 1318 هـ ) .
في 3 يونيو سنة 1899 م ( 24 محرم سنة
1317 هــ ) عين في منصب مفتي الديار المصرية .. وتبعا لهذا المنصب أصبح عضوا في
مجلس الأوقاف الأعلى , فسعى إلى إصلاحها , وإصلاح المساجد بوضع وتطبيق اللائحة
التي ضمنها أفكاره لأصلاح هذا المرفق الاسلامي المهم .
وفي 25 يونيو سنة 1899 م ( 18 صفر سنة
1317 هـ ) عين عضوا في (( مجلس شورى القوانين )) .
في سنة 1900 م ( سنة 1318 هـ ) أسس ((
جمعية إحياء العلوم العربية )) , فحققت ونشرت عددا من آثار التراث العربي الاسلامي
الفكرية المهمة .. وشارك الإمام في عمل هذه الجمعية باستحضار المخطوطات , واستكمال
نسخها , ومراسلة الملوك والسلاطين والقضاة لهذا الغرض , ومقابلة النسخ المخطوطة
والشرح والتعليق على هذه الآثار الفكرية المهمة .ص 41 .
· أبرز الأعمال
الفكرية للإمام :
( رسالة التوحيد ) , وتحقيق وشرح (
البصائر النصيرية للطوسي ) , وتحقيق وشرح ( دلائل الإعجاز ) و ( أسرار البلاغة )
للجرجاني , و ( الرد على هانوتو ) , و مقالات الاضطهاد في النصرانية والاسلام – (
الاسلام والنصرانية , بين العلم والمدنية ) – التي رد بها على فرح أنطون سنة 1902
م , و ( تقرير إصلاح المحاكم الشرعية ) سنة 1899 م .. والفصول التي شارك بها في
كتاب ( تحرير المرأة ) لقاسم أمين سنة 1899 م , والفصول التي شرع بها الترجمة
لحياته , ومقالات ( المستبد العادل ) , و ( الرجل الكبير في الشرق ) , و ( آثار
محمد على في مصر ) .. ومجموعة ملاحظاته وآرائه حول الثورة العرابية , سواء منها ما
كتبه في مشروعه لتأريخها بطلب من الخديو عباس , أم ما كتبه لصديقه القديم ((
بلنت )) .. وأيضا ترجمته لكتاب ( التربية ) لهربرت سبنسر عن الفرنسية , التي
تعلمها في هذه المرحلة من حياته .. وكذلك وصيته التربوية التي أملاها بالفرنسية في
مرضه الأخير على (( الكونت دي جريفيل )) فنشرها في كتابه ( مصر الحديثة ) . ص 42 –
43 .
· منهج محمد
عبده في الاصلاح ودوره :
ولقد كانت رؤية الأستاذ الإمام للقرآن
الكريم , والنهج الذي نهجه عندما عزم على تفسيره أحد المعالم البارزة في الإصلاح
الديني عنده . فنحن واجدون في هذه الرؤية , مثلا :
1 – تحديده لمعنى الإعجاز الحقيقي
للقرآن الكريم .. فهذا الاعجاز ليس لغويا , في الأساس , كما أنه غير مستمد من كونه
كتاب فن أو أدب أو تاريخ أو علوم … وإنما من كونه كتاب دين يهدي الناس إلى المجتمع
الفاضل والطريق السوي والخلق العظيم ….
(( فالقرآن ليس كتابا فنيا فيكون لكل
مقصد من مقاصده باب خاص به , وإنما هو كتاب هداية ووعظ ينتقل بالإنسان من شأن من
شئونه إلى آخر … ولذلك فإن التفسير الذي نطلبه هو : فهم الكتـاب من حيث هو دين
يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم , في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة ….
[ الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده
ج4 , ص 689 , 690 , 609.]
2 – إعلاؤه شأن العقل في تفسير القرآن
, وهو كتاب الدين الأول والأساسي , ورأيه في وجوب أن يطرح الذين يريدون تفسير
القرآن تفسيرا حديثا مستنيرا , أن يطرحوا جانبا (( رؤية )) السابقين من المفسرين ,
وأن يتزودوا فقط بالأسلحة والأدوات اللغوية , وشئ من أسباب النزول , ومعلومات
السيرة النبوية , ومعارف التاريخ الإنساني عن حياة الكون والشعوب التي يعرض لها
القرآن الكريم .
فهو يعتبر أن (( رؤية )) المفسرين
السابقين قد ارتبطت بالمستوى العقلي ودرجة العلم التي بلغوها وتحصلت لمجتمعاتهم
وبيئاتهم الثقافية , وليس بالضرورة أن يكون عقلنا واقفا عند ما بلغوه فقط , ولا أن
تكون حصيلتنا الفكرية هي فقط مـا حصلوه ..وهو لذلك يحدد منهجه في تفسير القرآن ,
ويدعو إليه عندما يخاطب أحد أعضاء [ جمعية العروة الوثقى ] , فيقول له : (( داوم
على قراءة القرآن , وتفهم أوامره ونواهيه , ومواعظه وعبره , كما كان يتلى على
المؤمنين والكافرين أيام الوحي , وحاذر النظر إلى وجوه التفاسير إلا لفهم مفرد غاب
عنك مراد العرب منه , أو ارتباط مفرد بآخر خفي عليك متصله , ثم اذهب إلى ما يشخصك
القرآن إليه , واحمل نفسك على ما يحمل عليه , وضم الى ذلك مطالعة السيرة النبوية ,
واقفا عند الصحيح المعقول , حاجزا عينيك عن الضعيف والمبذول ! ))
[ الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده
ج1 , ص 589. ]
فمنهجه العقلاني في التفسير , عندما
ينظر للقرآن (( ككتاب دين )) في الجوهر والأساس , يدعونا الى رفضه مذهب اولئك
الذين ينظرون الى القرآن كديوان للعلوم والفنون . ذلك أن حمل العلوم على القرآن ,
وما يسمى (( بالتفسير العلمي )) لبعض آياته ؛ إما أن يؤدي الى قسر هذه الآيات كي
تطابق النظريات العلمية , أو تكلف الصلات بين هذه الآيات وتلك النظريات , أو إلقاء
الشبهات على صدق النظريات , عند قوم , وعلى صدق الآيات , عند آخرين ؟!… وفي كل
الحالات , فإن هذا المنهج يقيد (( العقل العلمي )) بما لا ضرورة له ولا فائدة فيه
من القيود والأغلال ! الأمر الذي ينافي إرادة الله وأمره لنا بالنظر والتدبر في
كتاب الكون وما فيه من سنن وآيات …
وتطبيقا لهذا المنهج الذي نهجه
الأستاذ الامام في التفسير , وجدناه ينكر ويستنكر موقف الذين يبحثون عن حقائق
العلوم الطبيعية في القرآن والدين … فيقول : (( إنه لو كان من وظيفة النبي أن يبين
العلوم الطبيعية والفلكية ؛ لكان يجب أن تعطل مواهب الحس والعقل , وينزع الاستقلال
من الانسان , ويلزم بأن يتلقى كل فرد من أفراده كل شئ بالتسليم , ولوجب أن يكون
عدد الرسل في كل أمة كافيا لتعليم أفرادها في كل زمان ما يحتاجون إليه من أمور
معاشهم ومعادهم , وإن شئت فقل : لوجب ألا ّ يكون الانسان هذا النوع الذي
نعرفه ! نعم , إن الأنبياء ينبهون الناس , بالإجمال , الى استعمال حواسهم وعقولهم
في كل ما يزيد منافعهم ومعارفهم التي ترتقي بها نفوسهم , ولكن مع وصلها بالتنبيه
على ما يقوى الإيمان ويزيد العبرة … لقد أرشدنا نبينا – صلى الله عليه وسلم - ,
الى وجوب استقلالنا دونه في مسائل دنيانا في واقعة تأبير النخل ؛ إذ قال : (( أنتم
أعلم بأمور دنياكم )) . ومن هنا كان السؤال عن حقيقة الروح خطأ .. كما كان السؤال
عن علة اختلاف أطوار الأهلَّة خطأ .. بل عده القرآن من قبيل إتيان البيوت من
ظهورها ! … ))
[ الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ج
4 , ص 486 , 487 ] .
فأبواب بيوت هذه العلوم هي العقل
والتجريب وليس النقل وكتب الدين . ص 62 – 66
· الاشارات
الكونية :
أما ما عرض له القرآن الكريم من
إشارات كونية , فإن مقصده منه – في رأي الإمام محمد عبده – هو العظة والعبرة ,
لاتقرير الحقائق وإيراد النظريات , فمثلا : (( حقيقة البرق والرعد والصاعقة وأسباب
حدوثها , ليست من مباحث القرآن ؛ لأنها من علم الطبيعة ( أي الخليقة ) , وحوادث
الجو , التي في استطاعة الناس معرفتها باجتهادهم , ولا تتوقف على الوحي , وإنما
تذكر الظواهر الطبيعية في القرآن لأجل الاعتبار والاستدلال , وصرف العقل إلى
البحث الذي يقوى به الفهم والدين [ الأعمال الكاملة ج 4 , ص 94 .]
يذكر القرآن , إجمالا , من آثار الله
في الأكوان تحريكا للعبرة , وتذكيرا بالنعمة , وحفزا للفكرة , لا تقريرا لقواعد
الطبيعة , وإلزاما باعتقاد خاص في الخليقة )) [ الأعمال الكاملة ج 3 , ص 279 , ص
422 . ]
وهذا الموقف الإلهي الذي جعل القرآن
مصدرا للدين والهدى وخلق الإنسان السوى , ثم جعل العق الإنساني مرجعا في العلوم
الكونية والأمور الدنيوية , التفصيلية والمتغيرة , ينبهنا الله به إلى طبيعة الدين
ومهام الوحي واختصاصات الرسالة ؛ كي لا نخلط بينها وبين غيرها من المهام والطبائع
والاختصاصات ؛ إذ في إدراك ما بين هذه المهام من تمايز وضع الأمور في نصابها
, ومن ثم تحرير العقل الإنساني من أية قيود , حقيقية كانت أم متوهمة تلك القيود !
… وبعبارات الأستاذ الإمام (( … فليس من وظائف الرسل ما هو من عمل المدرسين ومعلمي
الصناعات , فليس مما جاءوا له تعليم التاريخ , ولا تفصيل ما يحتويه عالم الكواكب ,
ولابيان ما اختلف من حركاتها , ولا ما استكن من طبقات الأرض , ولا مقادير الطول
فيها والعرض , ولا ما تحتاج إليه النباتات في نموها , ولا ما تفتقر إليه الحيوانات
في بقاء أشخاصها وأنواعها , وغير ذلك مما وضعت له العلوم , وتسابقت في الوصول إلى
دقائقه الفهوم … ص 66 – 67.
· العبرة وليس
تفاصيل نشأة الكون :
فعلى حين كانت كتب الدين في الشرائع
السابقة تحكي في نشأة الكون التفاصيل , الأمر الذي عرضّها لأمتحانات ,
بل محن , أمام مكتشفات العلم وبراهين العقل ؛ وجدنا الإسلام , وقرآنه الكريم ,
يتركان تلك النشأة وتاريخها للعلم وأدواته في البحث والكشف والاستدلال (( فالله
سبحانه , قد خلق هذه الأرض وهذه السماوات التي فوقنا بالتدريج , وما أشهدنا خلقهن
, وإنما ذكر لنا ما ذكر للاستدلال , على قدرته وحكمته , و للإمتنان علينا بنعمته ,
لا لبيان تاريخ تكوينهما بالترتيب ؛ لأن هذا ليس من مقاصد الدين …فمن أراد أن
يزداد علمه فليطلبه من البحث في الكون , وعليه بدراسة ما كتب الباحثون فيه من قبل
, وما اكتشف المكتشفون من شئونه .. وحسبه أن الكتاب أرشده إلى ذلك وأباحه له )) [
الأعمال الكاملة ج 4 ص 127 ]
· القرآن ليس
كتاب تاريخ :
ولقد ذهب الأستاذ الإمام فعمم هذا
النهج – الذي يرفض أن يكون القرآن كتابا للعلوم الطبيعية والكونية – عممه على ما
ورد في القرآن من قصص الأولين وذكر لتاريخ الأمم التي سبقت أمة الإسلام .. فالقرآن
– عنده – ليس كتابة تاريخ , رغم هذا القصص التاريخي الذي ورد فيه , وليس لمفسر أو
قارئ أن يلتمس فيه (( حقائق )) التاريخ ووقائعه ؛ لأن ما فيه من قصص تاريخي إنما
جاء لبيان العظمة وتبيان مواطن الاعتبار ! (( فليس في القرآن شئ من التاريخ , من
حيث هو قصص وأخبار للأمم أو البلاد لمعرفة أحوالها , وإنما هي الآيات والعبر تجلت
في سياق الوقائع بين الرسل وأقوامهم , لبيان سنن الله تعالى فيهم …
ولذلك لم تذكر قصة بترتيبها وتفاصيلها
, وإنما يذكر موضع العبرة فيها … فليس القرآن تاريخا ولا قصصا , وإنما هو هداية
وموعظة , فلا يذكر قصة لبيان تاريخ حدوثها , ولا لأجل التفكه بها , أو الإحاطة
بتفاصيلها , وإنما يذكر ما يذكر لأجل العبرة … ص 69.
· عدم الأخذ
بآحاديث الآحاد في الأصول والعقائد :
والأستاذ الإمام لا يكتفي في هذا
الباب – الذي تدخل فيه أحاديث الآحاد , وهي أغلب ما روي من أحاديث – لايكتفي بثقة
الراوي فيمن روي عنه , بل يطلب أن تتوافر لنا مقومات ثقتنا في هؤلاء الرواة , وهو
أمر مستحيل , فيقول : (( إن ثقة الناقل بمن ينقل عنه حالة خاصة به , لايمكن لغيره
أن يشعر بها حتى يكون له مع المنقول عنه في الحال مثل ما للناقل معه , فلابد أن
يكون عارفا بأحواله وأخلاقه ودخائل نفسه , ونحو ذلك مما يطول شرحه , ويحصل الثقة
للنفس بما يقول القائل … )) [ الأعمال الكاملة ج 4 ص 68 – 69 . ]
وهكذا لا سبيل أمامنا ولا مفّر من عرض
هذه المأثورات على القرآن , فما وافقه كان القرآن هو حجة صدقه وما خالفه فلا سبيل
لتصديقه , وما خرج عن الحالتين فالمجال فيه لعقل الإنسان مطلق ومفتوح … كما أن
أمور (( العقائد والتوحيد لايؤخذ في مباحثها بأحاديث الآحاد , وإن صحت … )) [
الأعمال الكاملة ج 3 ص 527] ص 78.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق