· انعدام
السلطة الدينية في الإسلام :
ففيما يتعلق بطبيعة السلطة السياسية في المجتمع , وهل هي سلطة دينية أو
مدنية ؟ وفهم الأستاذ الإمام لموقف الاسلام من هذه القضية .. نلتقي بفكر واضح
ومحدد وحاسم قدمه الشيخ محمد عبده في هذا الموضوع .. . فهو يرفض رفضا قاطعا أن
يكون الدين الإسلامي نصيرا لقيام سلطة دينية في المجتمع بأي وجه من الوجوه وبأي
شكل من الأشكال , ويقيم على ذلك الحجج ويقدم لذلك البراهين .
فهو يقول مثلا : (( إنه ليس في الاسلام سلطة دينية , سوى سلطة الموعظة
الحسنة والدعوى إلى الخير والتنفير عن الشر وهي سلطة خولها الله لأدنى المسلمين
يقرع بها أنف أعلاهم , كما خولها لأعلاهم يتناول بها أدناهم )) .
بل يذهب إلى ما هو أبعد من هذا , فيرى أن إحدى المهام التي جاء لها الاسلام
ونهض بها في المجتمع الذي ظهر فيه , والتي تعتبر أصلا من أصوله , هي قلب السلطة
الدينية واقتلاعها من الجذور , فيقول : (( … أصل من أصول الاسلام … قلب السلطة
الدينية والاتيان عليها من أساسها )).
· فهم الدين
قبل الحديث عنه :
لكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله , وعن رسوله من كلام رسوله , بدون
توسيط أحد من سلف ولا خلف , وإنما يجب عليه قبل ذلك أن يحصل من وسائله ما يؤهله
للفهم … فليس في الاسلام ما يسمى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه [
الأعمال الكاملة ج 3 ص 285 , 286 ]
ولم يعرف المسلمون في عصر من الأعصر تلك السلطة الدينية التي كانت للبابا
عند الأمم المسيحية , عندما كان يعزل الملوك , ويحرم الأمراء , ويقرر الضرائب على
الممالك , ويضع لها القوانين الإلهية ))
[ الأعمال الكاملة ج 3 ص 233 ]
· السلطة
الدينية :
وهو لا ينفي وجود السلطان الديني والسلطة الدينية عن القيادة السياسية
العليا للمجتمع فحسب , بل ينفي اعتراف الاسلام بها أو اقراره لها بالنسبة لأية
مؤسسة من المؤسسات التي تمارس سلطة من السلطات في مجتمع المسلمين , مثل المؤسسات
التي تتولى (( القضاء )) أو (( الافتاء )) أو قيادة (( علماء الدين )) ( شيخ
الاسلام ) .. فيتحدث قائلا : (( … يقولون : إن لم يكن للخليفة ذلك السلطان الديني
, أفلا يكون للقاضي ؟ أو للمفتي ؟ أو لشيخ الاسلام ؟وأقول : إن الاسلام لم يجعل
لهؤلاء أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام , وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء
فهي سلطة مدنية قدرها الشرع الاسلامي , ولايسوغ لواحد منهم أن يدعي حق السيطرة على
ايمان أحد , أو عبادته لربه , أو ينازعه في طريقة نظره … )) [ الأعمال الكاملة ج 3
ص 289 ]
وهو يرى أن منبط هذه القضية , قضية توحيد السلطة السياسية والدينية , إنما
هو الدين المسيحي , الذي جعل ذلك أصلا من أصوله , بينما يقف الاسلام ضد هذا
التوحيد والجمع بين السلطتين , فيقول : إن الجمع بين السلطتين السياسية والدينية ,
(( هو الذي يعمل الباباوات وعمالهم من رجال " الكثلكة " على إرجاعه ؛
لأنه أصل من أصول الديانه المسيحية عندهم , وإن كان ينكر وحدة السلطة الدينية
والمدنية من لايدين بدينهم …)) [الاعمال الكاملة ج 2 ص 175 ] ص 87 , 88.
· نفي علمانية
محمد عبده :
لكن … هناك نفرا من (( العلمانيين )) – الذين يحبذون فصل الدين عن الدولة –
ونفرا من (( الاسلاميين )) – أهل الجمود الذين يحسبون الاسلام كهانة ثيوقراطية –
يحسبون – كلاهما – رغم اختلاف المواقع والمنطلقات أن إنكار الأستاذ الإمام ((
للسلطة الدينية )) إنما يعني أنه قد حبذ العلمانية الغربية , وفصل الدين عن الدولة
. ومن (( الإســـلاميين )) من يتهمه – بناء على هذا الظن – بتطويع الاسلام
للعلمانية الغربية !
لكن الحقيقة هي أن إنكار الرجل (( للسلطة الدينية )) , والذي يمثل الموقف
الحق للإسلام الحق , لايعني إنكاره ل (( ضرورة الدولة الاسلامية )) كما أنه لاينفي
تأكيده على أن الاسلام (( دين )) و (( دولة )) , لكنها دولة (( مدنية – إسلامية ))
! .. فهو بعد أن ينفي تهمة (( الكهانة والسلطة الدينية )) عن الاسلام , يقول : ((
لكن الاسلام دين وشرع , فقد وضع حدودا , ورسم حقوقا , وليس كل معتقد في ظاهره أمره
بحكم يجري عليه في عمله , فقد يغلب الهوى , وتتحكم الشهوة , فيغمط الحق , ويتعدى
المعتدي الحد . فلا تكمل الحكمة من التشريع للأحكام إلا إذا وجدت قوة لإقامة
الحدود , وتنفيذ حكم القاضي بالحق , وصون نظام الجماعة , وتلك القوة لايجوز أن
تكون فوضى في عدد كثير , فلابد أن تكون في واحد , وهو السلطان أو الخليفة )) [ الأعمال
الكاملةج 3 ص 287 ]
ثم يتحدث عن براءة الاسلام من كل من : (( السلطة الدينية )) و (( العلمانية
)) كليهما , فيقول : (( لقد ظهر الاسلام , لاروحيا مجردا , ولاجسدانيا جامدا , بل
إنسانيا وسطا بين ذلك , آخذا من كل القبيلين بنصيب .. ثم لم يكن من أصوله (( أن
يدع ما لقيصر )) , بل كان من شأنه أن يحاسب قيصر على ماله , ويأخذ على يده في عمله
.. فكان الدين بذلك عند أهله كمالا للشخص , وألفة في البيت , ونظاما للملك .. فإن
شاء قائل أن يقول : إن الدين لم يعلمهم التجارة ولا الصناعة ولا تفضيل سياسة الملك
, ولاطرق المعيشة في البيت ؛ لم يسعه أن ينكر أنه أوجب عليهم السعي إلى ما يقيمون
به حياتهم الشخصية والاجتماعية , وأوجب عليهم أن يحسنوا فيه , وأباح لهم الملك ,
وفرض عليهم أن يحسنوا المملكة )) [ الأعمال الكاملة ج 3 ص 225 , 226 ]
ص 112 – 114 .
· المسألة
الاجتماعية :
(( في القرآن الكريم , يضيف الله
الأموال الى الجميع , لا إلى الفرد – في أغلب الآيات – للتنبيه على تكافل الأمة في
حقوقها ومصالحها , كأنه يقول : إن مال كل واحد منكم هو مال أمتكم … ولقد أغفل أكثر
الناس هذه الحقوق العامة , لما فيها من الحياة الاشتراكية المعتدلة الشريفة ….))
محمد عبده
** الحركات العمالية في مصر :
خلال ثلاثة أشهر ( من ديسمبر سنة 1899
م حتى 21 فبراير سنة 1900 م ) شهدت مصر أكبر وأطول إضراب قام به عمالها ضد الشركات
الرأسمالية الاستغلالية – التي كان الأجانب يسيطرون على معظمها – وهو الإضراب الذي
عرف يومئذ (( باعتصاب )) ( لفَّافي السجائر ) .. فلقد شارك فيه مايزيد على 30,000
من العاملين بصناعة السجائر , وخاصة في شركة (( ماتوسيان )) .
ويجمع الذين يؤرخون لحياة الطبقة
العاملة المصرية على أن هذا (( الاعتصاب )) ( الاضراب ) كان أبرز المعالم التي
قادت الطبقة العاملة في طريق التنظيم , فسلكت طريق (( الجمعيات )) ( النقابات ) …
ومن ثم تحول هذا التاريخ الى فجر يؤرخون به ظهور النقابات العمالية في بلادنا .
ولقد تصادف في ذلك التاريخ أن حدث
إضراب من عمال أحد الموانئ الفرنسية بالجزائر , وأخذت الصحافة الفرنسية في الحديث
عن نفس القضية – قضية النظام الرأسمالي وفلسفته – ومشروعية تدخل الدولة للتحكيم
وإنصاف العمال , حتى وإن رفض ذلك أصحاب الأعمال . ووقعت في يد فرح أنطون مقالة
لأحد الاقتصاديين الفرنسيين الذين يرون ضرورة تدخل الدولة , وفيها يستدل بأن ((
الشريعة الاسلامية قد حلت هذه المشكلة حلا جميلا , فإنها توجب على الحكومة
المداخلة بين أصحاب الأعمال والعمال والتحكين بينهما … ))
وكتب فرح أنطون معلقا على قول
الاقتصادي الفرنسي هذا يقول : (( إنه إذا كان ذلك القول صحيحا , وكانت اوروبا تطلب
اليوم (( إيجاب التحكيم )) بين الفريقين ؛ حلا ً للمسألة الاجتماعية ؛ فإنه يحق
للشريعة الاسلامية أن تفتخر بأنها تقدمت أوروبا بهذا الحل المعقول …))
[ الجامعة ج 4 أول سبتمبر سنة 1906 م
. باب تذكارات مصر والشام ( مقال محمد عبده ورأيه في المسألة الاجتماعية ) وهو
حكاية لما حدث قبل ست سنوات من ذلك التاريخ ] .
ولكن فرح أنطون لم يكن يستطيع أن
يتقدم الى المجتمع المصري المسلم بحديث الاقتصادي الفرنساوي , باعتباره رأي
الاسلام , ففي مصر علماء للدين , ومفتي الديار المصرية يومئذ هو الأستاذ الإمام
الشيخ محمد عبده , وكل الأوساط الاسلامية كانت قد أجمعت يومئذ على أنه أحد الأئمة
المجتهدين … فلا بد إذا من أن يتقدم إليه فرح أنطون فيسأله رأي الاسلام في هذا
الموضوع , خصوصا أن فرح أنطون قد اجتهد في البحث عن الأسانيد الاسلامية التي استند
اليها الاقتصادي الفرنسي في تقريره لهذا المبدأ , ففشل ؛ فقرر استفتاء الشيخ محمد
عبده قائلا : (( وبعد أن بحثنا في كل المصادر التي لدينا , ولم نهتد الى أثر لهذا
المبدأ , بعثنا نستفتي الأستاذ المفتي فيه …))
** فتوى الأستاذ الإمام :
وعندما وصل خطاب فرح أنطون إلى
الأستاذ الإمام , كانت تحيط بهذا الخطاب وبهذا الاستفتاء ظروف وملابسات تجعل منه
قضية ذات أهمية خاصة , وعلى جانب كبير من الحساسية , وتكتنفها المخاطر والأشواك من
مختلف الجهات .
فلقد كان للأستاذ الإمام خصوم يتلمسون
إدلاءه ببعض الآراء الجريئة والعصرية ؛ كي يشنوا ضده الحملات ويلقوا عليه
الاتهامات … ولم يكن هؤلاء الخصوم يتورعون حتى عن التحالف مع (( الشيطان )) ضد
الأستاذ الإمام ! ويكفي أن نعلم أن أكثر مشايخ الأزهر محافظة وتعصبا قد ذهبوا إلى
فرح أنطون يوم حدثت بينه وبين الشيخ محمد عبده مناظرة حول (( ابن رشد وفلسفته )) ,
وحول موقف كل من الإسلام والمسيحية من حرية البحث العلمي والعلماء ؛ ذهبوا إلى فرح
أنطون يعرضون تأييده ضد المفتي , رغم أن المفتي كان ينتصر للإسلام , وأن فرح أنطون
كان يرى أن المسيحية أوسع صدرا من الإسلام بالنسبة للعلم والعلماء .
ولكن جميع هذه الأسباب لم تجعل
الأستاذ الإمام يتأخر عن الإدلاء برأيه في القضية … قضية رأي الإسلام في مشروعية
تدخل الدولة في الاقتصاد , والتحكيم بين العمال وأصحاب الأعمال … فبعث إلى فرح
أنطون بفتواه التي تعد أول فتوى إسلامية تقرر أن روح الأسلامضد الفلسفة الفردية
التي يقوم عليها النظام الرأسمالي , وأن روح هذا الدين توجب على الحكومة
التدخل في الشئون الاقتصادية لمصلحة جماهير المحكومين , سواء أكان ذلك باقامة
الصناعات وإدارتها , أم بتحديد أسعار السلع التجارية , أم بإنصاف
العمال عن طريق رفع أجورهم , أو تقليل ساعات عملهم , أو بالأمرين جميعا ..
فتوى :
يوجد في أصول الأحكام الإسلامية
(( أن القيام بالصناعات من فروض
الكفاية ؛ أي : يجب على الأمة أن يكون منها من يقوم بالصناعات الضرورية لقوام
المعيشة , أو للدفاع عن حوزتها , فإذا تعطلت الصناعات وجب على القائم بأمر الأمة
أن يتخذ السبيل إلى إقامتها بما يرفع الضرورة والحرج عن الناس .
وكذلك إذا تحكم باعة الأقوات ورفعوا
أثمانها إلى حد فاحش وجب على الحاكم , في كثير من المذاهب الإسلامية , أن يضع حدا
للأثمان التي تباع بها . وهكذا يدخل الحاكم في شئون الخاصة وأعمالهم , إذا خشي
الضرر العام في شئ من تصرفهم .
فإذا اعتصب العمال في بلد , وأضربوا
عن الاشتغال في عمل تكون ثمرته من ضروريات المعيشة فيه , وكان ترك العمل يفضي إلى
شمول الضرر ؛ كان للحاكم أن يدخل في الأمر , وينظر بما خوله من رعاية المصالح
العامة , فإذا وجد الحق في جانب العمال وأن ما يكلفون به من قبل أرباب الأموال مما
لايستطاع عادة ؛ ألزم أرباب الأموال بالرفق , سواء كان بالزيادة في الأجر أم النقص
في مدة العمل , أم بهما جميعا … )) ص 127 – 128.
[ الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ج
1 ص 674 ]
ويكفي أن نعلم أن نضال العمال قد استمر
في سبيل مبدأ (( التحكيم )) حتى انتصر في قرار مجلس الوزراء الذي صدر في 18 أغسطس
سنة 1919 بإنشاء ( لجنة التوفيق ) بين العمال وأصحاب الأعمال .
[ مجلة الطليعة عدد مايو سنة 1965 م ص
151 , 152 .]
· فكر الإمام
الإجتماعي :
أغنياء …وأغنياء …ولكن
فهذه الفتوى الاجتماعية البالغة
الأهمية , التي حدد فيها الأستاذ الإمام موقف الإسلام من المسألة الاجتماعية
والصراع الاجتماعي عندما احتدم بمصر في مطلع هذا القرن , وأثاره أو فجرّه صراع
الطبقة العاملة المصرية وإضرابها الكبير … هذه الفتوى تلفت الأنظار إلى أهمية البحث
عن الموقف الاجتماعي المتكامل للأستاذ الإمام , وتشير إلى ضرورة بحث هذه الصفحة من
صفحات الرجل ….
- لايصح أن
يقودنا إلى المبالغة في موقع الرجل الفكري , فنحمله ما لا يحتمل , وننسب إليه أكثر
مما أمن به في هذا المقام , فالرجل لم يكن اشتراكيا بمقاييس عصرنا الراهن عن
الاشتراكية العلمية ( الشيوعية ) , كما أن الكثير من مفاهيمنا عن الطبقات
وصراعاتها , وقوانين هذه الصراعات , لم تكن في حسبانه ولا في عقله , عندما كان
يفكر ويصدر آرائه وفتاويه ….
ص 130 – 131.
· رؤية الامام
للعمل :
فموقف الأستاذ الإمام هذا من النظام
الطبقي الوراثي , وهو الموقف الشديد العداء لهذا النظام , يقودنا ويفضي بنا إلى
معرفة سببه , الذي يتمثل في إيمان الرجل بالعمل , باعتباره القيمة الحقيقية التي
تمنح هذه الحياة لذاتها الوحيدة والأصيلة , فهو يقول : (( من لايذوق لذة العمل
الاختياري لايذوق لذة الراحة الحقيقية ؛ لأن الله تعالي لا يضع الراحة في غير
العمل )) , و يتحدث عن بطالة الأغنياء , وكيف (( أن حب الراحة يوقعهم في تعب لا
نهاية له , وهو تعب البطالة والكسل , أو العمل الاضطراري ! )) [ الأعمال
الكاملة ج 4 ص 123 ]
- فهو يوافق
على أن فقر الفقير يجري على سنة من سنن الله في المجتمعات ؛ بمعنى أن هذا الفقر له
أسبابه المادية في سلوك الناس وظروف حياتهم ونظم مجتمعاتهم , وبالمثل غنى الأغنياء
… وفي ذات الوقت , يرفض أن يكون الفقر والغنى من سنن الله – فهي أوضاع اجتماعية
تجري على سنن , وليست في ذاتها سننا وقوانين دائمة الثبات والبقاء – وفرق كبير بين
الأمرين , كما هو واضح للمتأمل في هذا الموضوع , ومن ثم فإن تغيير هذه الأوضاع
الطبقية والأحوال الاجتماعية رهن بالجري على سنن أخرى أنفع وأصلح , وهي أيضا من
سنن الله … وفي ذلك يقول الأستاذ الإمام : (( … وللفقر أسباب كثيرة , منها : الضعف
والعجز عن الكسب , ومنها إخفاق السعي , ومنها البطالة والكسل , ومنها الجهل بالطرق
الموصلة … إلخ … إلخ .
والأغنياء متمكنون من إزالة بعض هذه
الأسباب أو تدارك ضررها وإضعاف أثرها , كإزالة البطالة بإحداث أعمال ومصالح
للفقراء , وإزالة الجهل بالإنفاق على التعليم والتربية … وإذا كان فقر الفقير إنما
هو بالجري على سنة من سنن الله ؛ فإزالة فقره أو مساعدته عليه أو فيه , إنما يجري
على سنة من سننه تعالى أيضا , كما أن غنى الغنى كذلك )) [ الأعمال الكاملة ج 4 ص
700 ] .
- وهوصورة
منفرة لحياة البطالة والتعفن التي يحياها الأثرياء المتبطلون في المجتمع , فيقول :
إن الناس يحسبون خطأ (( أنهم مغبوطون , سعداء بلذات الدنيا وشهواتها , فيكون هذا
الحسبان من آلات الفساد … ولو سبروا أغوارهم , وبلوا أخبارهم ؛ لأدركوا أن ما هم
فيه من ظلمة النفس وضيق العطن , وفساد الأخلاق ينغص عليهم أكثر لذّاتهم , ويقذف
بهم إلى الافراط الذي يولد الأمراض الجسدية والنفسية , وثير في نفوسهم كوامن
الوساوس , ويجعل عقولهم كالكرة , تتقاذفها صوالجة الأوهام , وأن حب الراحة يوقعهم
في تعب لانهاية له , وهو تعب البطالة والكسل أو العمل الاضطراري )) ص 135 – 137 .
- [
الأعمال الكاملة ج 4 ص 123 ] .
- المنفعة
العاملة :
- وهو يعتبر
المزايا الاقتصادية والاجتماعية التي تعود على الانسان ثمرة للجهد الجماعي للجماعة
البشرية التي ينتسب إليها , وليست ثمره لجهده الذاتي والفردي فقط , ذلك ((
أن الإنسان إنما يكتسب المال من الناس بحذقه وعمله معهم , فهو لم يكن غنيا إلا بهم
ومنهم , فإذا عجز بعضهم عن الكسب ؛ لآفة في فكره ونفسه أو علة في بدنه , فيجب على
الآخرين الأخذ بيده , وأن يكونوا عونا له ؛ حفظا للمجموع الذي ترتبط مصالح بعضه
بمصالح البعض الآخر …)) ص 140 .
[ الأعمال الكاملة ج 4 ص 163 ]
- البخلاء :
فهو يقول عن
مكان هذا الظلم بين الألوان الأخرى : إنكم (( لو وزنتم جميع أنواع الظلم الذي يصدر
من الإنسان ؛ لوجدتم أرجحها ظلم الباخل بفضل ماله على ملهوف يغيثه ومضطر
يكشف ضرورته , أو على المصالح العامة التي تقي أمته مصارع الهلكات , أو ترفعها على
غيرها درجات , أو تسد الخروق التي حدثت في بناء الدين , أو تزيل السدود والعقبات
من طريق المسلمين ؛ فإن هذا النوع من الظلم هو الذي لا يعذر صاحبه بوجه من وجوه
العذر التي يتعلل بها سواه من ظالمي أنفسهم … )) .
وهو يتحدث
كيف أن سلطان المال يبلغ من القوة إلى الحد الذي يتربع فيه بقلب الإنسان بدلا من
الإيمان بالله , وأن الأغنياء الذين يحبون أموالهم إلى الحد الذي يبخلون بها على
المصالح العامة ؛ هم كافرون بالله على سبيل الحقيقة , لا على سبيل المجاز ؟! فيقول
: إنك (( ترى كثيرا من أغنياء المسلمين عارفين بما عليه أمتهم من الجهل بأمور
الدين , ومصالح الدنيا , وفساد الأخلاق , وتقطع الروابط وتراخي الأواخي , وما نشأ
عن ذلك من هضم حقوقها وانتزاع منافعها من أيدي أبنائها . ويعلمون أن صلاحهم يتوقف
على بذل شئ من أموالهم ؛ ينفق في التربية والتعليم ونحوهما من المنافع العامة , ثم
هم يدعون إلى بذل قليل من كثير ما خزنوه في صناديق الحديد ,وما ينفقونه في شهواتهم
ولذاتهم وتأييد أهوائهم وحظوظهم , فيبخلون بذلك ويرونه مغرما ثقيلا , ولا يحفلون
بوعد الله للمنفقين في سبيله , ولا وعيده للباخلين بفضله . وأمثال هؤلاء لا
يستحقون أن يكونوا من المسلمين ؛ لأنه لا يوجد في نفس الواحد منهم عرق ينبض في
التألم لمصائب الإسلام وأهله , فمن كان ( كذلك ) فهو كافر حقيقة وإن سمى نفسه
مؤمنا ! )) ص 141 – 142 .
[ الأعمال
الكاملة ج 4 ص 727 ]
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق