مصر الثورة





سوريا نحن معكم




with you syria

[IMG]http://shams-d.net/up//uploads/images/domain-b9caecbbc3.png[/IMG]




الثلاثاء، 16 أبريل 2013







·      الربا ورأس المال :

نطالع نصوصه حول (( الربا )) فهو يعتبر أن استغلال المال بالمال , واتخاذ المال وسيلة لكسب المال عن طريق استغلال حاجة المحتاجين ؛ من الأسباب الأساسية لتحريم (( الربا )) في الإسلام , وينبه إلى المخاطر الجسيمة التي تحدق بالمجتمع , إذا هو وقع ضحية لسلطان استغلال المال بالمال , وهو ما نسميه اليوم (( برأس المال المصرفي )) الذي يتحكم به أرباب البنوك والاحتكارات المصرفية في المجتمعات الرأسمالية … وعن هذه القضية البالغة الأهمية يتحدث الأستاذ الإمام عندما يعرض للوجه الثالث من الوجوه التي جعلت الإسلام يحرم (( الربا )) دون (( البيع )) فيقول : (( إن النقدين ( الذهب والفضة ) إنما وضعا ليكونا ميزانا لتقدير قيم الأشياء التي ينتفع بها الناس في معايشهم , فإذا تحول هذا , وصار النقد مقصودا بالاستغلال ؛ فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثر الناس  , وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استغلال المال بالمال , فينمو المال ويربو عندهم , ويخزن في الصناديق والبيوت المالية المعروفة بالبنوك , ويبخس العاملون قيم أعمالهم ؛ لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه , وبذلك يهلك الفقراء … وفي مثل هذه البلاد نرى الفقير يموت جوعا ولا يجد من يجود عليه بما يسد رمقه ؛ إذ قل فيها التعاطف والتراحم وحلت القسوة محل الرحمة … )) ولقد أبصر الأستاذ الإمام منذ وقت مبكر جدا في حياته العملية والفكرية والسياسية ؛ أن تركز ثروة البلاد في أيدي قلة من أبنائها , ومن باب أولى من الأجانب الغرباء عنها , إنما ينذر بكوارث كثيرة , ومنها انخفاض القدرة الشرائية عند الأغلبية الفقيرة من المواطنين , مما يؤدي إلى كساد في أسواق الزراعة والتجارة والمصنوعات , فيتحدث عن أضرار هذا التركز , وكيف أنه كما (( يضر بهم ( أي الأغنياء ) وبحواشيهم , يضر أيضا بثروة البلاد نفسها ؛ إذ تحصر الثروة في دوائر مخصوصة عند أشخاص قليلين , لوازمهم ليست بالكثيرة , فتكسد أسواق الصناعة والتجارة لقلة الراغبين في الصنائع والبضائع ؛ أي : لقلة القادرين على اقتنائها , وتقل الرغبة في الأعمال الزراعية ؛ إذ يكون الجميع كأجراء لا يهتمون اهتمام الملاك … ويزداد الضرر إذا وقعت الأملاك والمبيعات في أيدي الغرباء والأجانب , الذين لا يسرنا أن نراهم واضعي أيديهم على غالب الأملاك العظيمة والأراضي الواسعة التي كانت في أيدي أبناء البلاد , بل هذا أمر يحزن كل ذي عقل وإدراك , ولا يغفل عنه إلا غبي دنئ , محب للفقر والفاقة ))
[ الأعمال الكاملة ج 4 ص 759 , ج 2 ص 16 , 17 ]

-        ثم يمضي متحدثا عن توقعات الكتاب الاجتماعيين للنتائج التي ستترتب على هذا الصراع , فهم (( يتوقعون من عاقبة ذلك انقلابا كبيرا في العالم , ولذلك قام كثير من فلاسفتهم وعلمائهم يكتبون الرسائل  والأسفار في تلافي شر هذه المسألة .. وقد ألف (( تولستوي )) , الفيلسوف الروسي كتابا سماه ( ما العمل ؟ ) وفيه أمور يضطرب لفظاعتها القارئ , وقد قال في آخره : (( إن أوروبا نجحت في تحرير الناس من الرق , ولكنها غفلت عن رفع نير الدينار عن أعناق الناس الذين ربما استعبدهم المال يوما ما ! ))
[ الأعمال الكاملة ج 4 ص 759 , 760 ]

·      انفاق المال في الخير مرتبط الايمان :

كما يحدد أن هذا الإنفاق الواجب ليس ما يلزم الإنسان لحياة أهله وولده , ولا ما نعرفه من مظاهر الكرم والجود , وإنما هو الإنفاق في المصالح القومية العامة , وهو يزيد هذا الأمر حسما ووضوحا في تفسيره لقول الله سبحانه : { الَّذينَ يُؤمِنون َ بِالغَيبِ ويُقيمونَ الصَلاة َ ومِمَّا رَزقناهم يُنفقون َ } [ سورة البقرة : 3 ] , فيقول : (( إن هذا الوصف من أقوى أمارات الإيمان بالغيب  ؛ لأن كثيرا من الناس يأتون بضروب العبادات البدنية كالصلاة والصوم , ومتى عرض لهم ما يقتضي بذل شئ من المال لله تعالى يمسكون ولا تسمح نفوسهم بالبذل , وليس المراد بالإنفاق هنا ما يكون على الأهل والولد , ولا ما يسمونه بالجود والكرم , كقرى الضيوف ابتغاء عرض الشهرة والجاه , أو الأنس بالأصحاب ؛ لأن هذا ليس من آثار الإيمان بالغيب ؛ وإنما هو الإيمان الناشئ عن شعور بأن الله تعالى هو الذي رزقه وأنعم عليه به , وأن الفقير المحروم عبد الله مثله , وأنه حرم من سعة العيش لضعف أو حرمان من الأسباب التي توصل الى الرزق ….

ثانيا : إن هذا الإنفاق الواجب , والذي هو غير الزكاة وغير النفقات الخاصة والعائلية , وغير نفقات الجود والكرم ؛ إن هذا الإنفاق ليس محدودا بقدر معين , ولا محددا بمبلغ لا يتعداه , وهو أيضا لا يرتهن وجوبه بحيازة نصاب معين من المال , كما هي الحال في الزكاة وما يماثلها من الصدقات … وفي ذلك يقول الأستاذ الإمام عندما يفسر قول الله سبحانه : { ويسألُونكَ ماذا يُنفقون َ قُل العفوَ …} : (( … إن القرآن أطلق (( العفو )) ليقدره كل قوم في كل عصر بحسب ما يليق بحالهم ؛ لأنه خطاب عام ليس خاصا بأهل جزيرة العرب , ولا بحال الناس زمن البعثة . والمراد بهذا الإنفاق ما وراء الزكاة المفروضة المحددة , كصدقة التطوع على الأفراد وعلى المصالح العامة … إن الأمة المؤلفة من مليون واحد إذا كانت تبذل من فضل مالها في مصالحها العامة ؛ تكون أعز وأقوى من أمة مؤلفة من مائة مليون لا يبذلون شيئا من فضول أموالهم في مثل ذلك )) ص 147 , 148.

[ الأعمال الكاملة ج 4 ص 595 , 596 والآية 219 سورة البقرة ]

·      التكافل الاجتماعي وليس تركيز الثروة :

ثالثا : إن انحياز الإسلام إلى صف فلسفة (( تكافل الأمة )) , إنما يعني ارتكاز فلسفة الإسلام المالية على موقف غير منحاز إلى (( الملكية الفردية )) بالمعنى المتعارف عليه في فلسفات النظم الاقتصادية الفردية في هصرنا هذا … بل على العكس من ذلك تماما , فالإسلام ينحاز إلى الفلسفة المالية التي ترى في المال (( ملكا للأمة )) وليس حق الحائز لهذا المال فيه بأقوى من حق المحتاج إلى هذا المال فيه , فمركزهما القانون , من حيث مشروعية الانتفاع بهذا المال سواء على قدم المساواة … والحائز الذي يمنع المحتاج حاجته – سواء أكان هذا المحتاج فردا أم مصلحة عامة – هو بمثابة السابق والمغتصب لمال الآخرين .

….يقول الأستاذ الإمام في تفسيره لقول الله سبحانه : { يا أيها الّذين آمنوا لا تأكلُوا أموالكُم بَينكم بالباطِل ِ }
وهي أن صاحب المائل الحائز له يجب عليه بذله للمحتاج , فكما لا يجوز للمحتاج أن يأخذ شيئا من مال غيره بالباطل كالسرقة والغصب , لا يجوز لصاحب المال أن يبخل عليه بما يحتاج إليه !… ))
ص 149
[ الأعمال الكاملة ج 5 ص 201 والآية 29 في سورة النساء ]

·      النصوص الشرعية مع القوى العاملة :

في مختلف الجوانب النظرية للمسألة الاجتماعية نلتقي بعديد من الأحاديث النبوية التي تنتصر للعمل , وللجماعية , وللفقراء , والتي تنهي عن حيازة ما زاد على احتياجات الإنسان .
ففي تمجيد العمل نقرأ قوله – صلي الله عليه وسلم - : (( لأن يحتطب أحدكم – وفي رواية : لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب – خير له من أن يسأل الناس , أعطوه أو منعوه … )) , وعن اليد العاملة نقرأ قوله : (( هذه يد يحبها الله ورسوله )) , وقوله : (( لا يؤجر أحد إلا بكد  يمينه )) ,  وقوله : (( أطيب الكسب : عمل الرجل بيده )) [ رواه أحمد والحاكم ]

وفي الحديث الذي يرويه الطبراني عن أبي موسى , فيقول : إنه سمع النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول : (( لن تؤمنوا حتى تراحموا )) , قالوا : يا رسول الله , كلنا رحيم ! قال : (( إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه , ولكنه رحمة العامة )) .
وفي تقرير المبدأ الذي يحدد للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم ويدفع عنهم الحاجة – وهو ما وجدناه في تفسير الأستاذ الإمام لقول الله سبحانه : { يا أيُها الذيِن آمنوا لا تأكلُوا أموالكم بينكم بالباطل ِ }. في تقرير هذا المبدأ نقرأ الحديث الذي يرويه الإمام على عن الرسول , والذي يقول فيه : (( إن لله على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم , وما يجهد الفقراء إذا جاعوا وعروا إلا بما يصنع أغنياؤهم , ألا وإن الله يحاسبهم حسابا شديدا ويعذبهم عذابا أليما )) .
ونقرأ الحديث الذي يرويه (( مسلم )) في صحيحه : (( عن أبي سعيد الخدري قال : بينما نحن في سفر مع النبي – صلى الله عليه وسلم - , إذ جاء رجل على راحلة له … قال … فجعل يصرف يمينا وشمالا , فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له , ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له … قال … فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل )) ص 157 – 158 .
[ صحيح مسلم , بشرح النووي ج 12 ص 33 "]

·      تشخيص محمد عبده لضعف الأمة على المستوى العام :

وعن هذه (( السياسة العليا )) , واشتغاله بها , وتجربته فيها , يستدرك الأستاذ الإمام في حديثه عن أهدافه التي ارتفع بها صوته , فيقول : (( وهناك أمر آخر , كنت من دعاته , والناس جميعا في عمى عنه , وبعد عن تعقله , ولكنه هو الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية , وما أصابهم الوهن والضعف والذل إلا بخلو مجتمعهم منه ؛ وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب , وما للشعب من حق العدالة على الحكومة … نعم .
كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها – وهي هذه الأمة التي لم يخطر لها هذا الخاطر على بال من مدة تزيد على عشرين قرنا – دعوناها إلى الاعتقاد بأن الحاكم – وإن وجبت طاعته – هو من البشر الذي يخطئون , وتغلبهم شهواتهم , وأنه لايرده عن خطئه ولا يقف طغيان شهواته إلا نصح الأمة له بالقول والفعل .
جهرنا بهذا القول والاستبداد في عنفوانه والظلم قابض على صولجانه , ويد الظالم من حديد , والناس كلهم عبيد له !
ص 165 .
[ الأعمال الكاملة ج 2 ص 318 – 320 ]

·      رؤية الأفغاني ورؤية محمد عبده :
ونحن نعتقد أن إلقاء الضوء على التكوين الذاتي والفكري للأستاذ الإمام في المرحلة الأولى من حياته العملية , وهي التي سبقت التقاءه مع عرابي و (( الحزب الجهادي )) ؛ أي : الفترة التي سبقت مظاهرة عابدين في 9 سبتمبر سنة 1881 م ؛ هو أمر هام جدا , بل لعله أهم الأمور في فهم كل  مواقفه وأفكاره ,  التي شهدتها حياته حتى انتقاله إلى رحمة الله .
فالبعض يظن – خطأ – أن الأستاذ الإمام كان في هذه الفترة على مذهب أستاذه جمال الدين الأفغاني , في السياسة والعمل السياسي والنظرة إلى ما يجب أن تكون عليه علاقة الحاكم بالمحكوم , وتنظيم المجتمع الشرقي في ذلك الحين .. ويعتقد هذا البعض – خطأ كذلك – أن اختلاف الرجلين إنما كان بعد فشل الثورة العــرابية , عندما قرر الأفغاني مواصلة الدعوة للثورة والعمل لها , بينما يئس محمد عبده من هذا الطريق . بينما الحقيقة أن محمد عبده – في أمر السياسة هذا – كان منذ صدر حياته العملية مدرسة متميزة عن مدرسة الأفغاني , قد يتفقان في الغايات , وهما بالحق متفقان , ولكنهما مختلفان في الوسائل اختلافا حقيقيا وعميق الجذور .

فالأفغاني كان يدعو إلى (( الثورة )) , ومحمد عبده كان يدعو إلى
 (( الاصلاح )) .. وفرق بين (( الثورة )) و (( الاصلاح )) , و (( الثوري )) و (( المصلح )) .
والأفغني كان يدعو إلى (( الشورى )) ؛ بمعنى الانتخابات التي تشارك فيها جماهير الأمة وعامة أفرادها ؛ كي توضع مقاليد الأمة في يد هذه الجماهير وهؤلاء العامة . بينما كان محمد عبده يدعو إلى سلطة القانون , يقوم على تنفيذها حاكم فرد , و (( مستبد عادل )) , ويصارع ضد إعطاء العامة والجماهير مقاليد الأمور ؛ بدعوى أنها لم تتهيأ بعد لذلك , ولم يتكون في البلاد بعد (( رأي عام )) … وكان يرى في طريق الأفغاني – الذي سار فيه العُرابيون  - تقليدا لمجتمعات تختلف في درجة تطورها عن المجتمع الذي شهدته مصر في ذلك الحين.

[ نصوص الأفغاني , انظر الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغني ص 473 ]

ولذلك كان الأفغاني يتوجه دائما إلى جماهير الأمة … بينما كان الأستاذ الإمام يعول على الصفوة المستنيرة في هذه الجماهير ..

-        الأدلة على رؤية الامام للتحولات الديمقراطية :

1- في الوقت الذي كانت فيه الدعوة قائمة , على قدم وساق , لتكوين المجلس النيابي ؛ كان محمد عبده يدعو إلى إصلاح ذي شعبتين : التربية والتعليم ؛ لتكوين الرجال الذين يمكن فيما بعد أن يتكون منهم هذا المجلس النيابي , والتدرج نحو تكوين هذا المجلس القومي عن طريق تعويد الناس على ذلك , من خلال المجالس المحلية في المديريات والمحافظات , وفي ذلك يقول : (( إن أول ما يبدأ به : التربية والتعليم ؛ لتكوين رجال يقومون بأعمال الحكومة النيابية على بصيرة مؤيدة بالعزيمة وحمل الحكومة على العدل والإصلاح , ومنه تعويدها الأهالي على البحث في المصالح العامة واستشارتها إياهم في الأمر بمجالس خاصة تنشأ في المديريات والمحافظات يقول : (( وليس من الحكمة أن تعطي الرعية ما لم تستعد له ؛ فذلك بمثابة تمكين القاصر من التصرف بماله قبل بلوغه سن الرشد ! ))

وهو يقرن زوال الاستبداد بالتربية والتعليم للطبقات الوسطى والدنيا فيقول : (( أن المعهود في سير الأمم وسنن  الاجتماع أن القيام على الحكومات الاستبدادية ( أي الثورة عليها ) , وتقييد سلطتها , وإلزامها الشورى والمساواة بين الرعية ؛ إنما يكون من الطبقات الوسطى والدنيا , إذا فشا فيهم التعليم الصحيح والتربية النافعة وصار لهم رأي عام ))
[ من كلمات الأستاذ الإمام في مناقشة عرابي وعدد من زملائه بمنزل طلبة باشا قبل مظاهرة عابدين بعشرة أيام – الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ج 1 ص 316, 317 ]

2 – وعندما تتردد في صفوف العرابيين أفكار عن إلغاء الخديوية وتحويل نظام الحكم إلى النظام الجمهوري يقف الأستاذ الإمام معارضة , فيكتب في ( الوقائع ) عن: (( أن أحوال الأمم بنفسها هي المشرع الحقيقي … فإن انتقال حكومة فرنسا , مثلا , من الملكية المطلقة إلى المقيدة , ثم إلى الجمهورية الحرية ؛ لم يكن بإرادة أولي الحل والعقد فقط , بل المساعد الأقوى حالة الأهالي ..وهذا ما جعل عقلاء الناس يجتهدون أولا في تغيير الملكات وتبديل الأخلاق , عندما يريدون أن يضعوا للهيئة الاجتماعية نظاما محكما , فيقدمون التربية الحقيقية على ما سواها ))
[ الأعمال الكاملة ج 1 ص 314 ]

وفي مقال آخر يقارن بين أمريكا الجمهورية , وما يصلح لها من حرية , وبين (( أفغانستان , مثلا , حال كونها على ما نعهد من الخشونة … )) , ويقول : (( إنه لابد من قرون تبث فيها العلوم , وتهذب العقول , وتذلل الشهوات الخصوصية , وتوسع الأفكار الكلية ؛ حتى ينشأ في البلاد ما يسمى بالرأي العمومي , فعند ذلك يحسن لها ما يحسن لأمريكا … ولكن أرباب الأفكار منا يرومون أن تكون بلادنا , وهي هي , كبلاد أوروبا , وهي هي .. فمن يريد خير البلاد فلا يسعى إلا في إتقان التربية , وبعد ذلك يأتي له جميع ما يطلبه , إن كان طالبا حقا , بدون إتعاب فكر ولا إجهاد نفس ! )) ص 168 - 171 [ الأعمال الكاملة ج1 ص 298, 299 ]

-        خلاصة الأمر : أن محمد عبده كان يرى في ذاك الوقت الذي عايشه أن شرط وجود (( الرأي العام )) لم يتحقق في مصر حتى تعطى جماهيرها مقاليده في أيديها ….

·      علاقة محمد عبده بالعسكريين والدولة المدنية :
و محمد عبده الذي كان يرى دائما – لتكوينه الذاتي ومزاجه الفكري – ضرورة المحافظة على مدنية السلطة ودستوريتها , ويناهض صبغها بالصبغة العسكرية , كما يناهض صبغها بالصبغة الدينية ؛ قبل مؤقتا , دور الحزب الجهادي العسكري في العمل السياسي , ووجدناه يتحدث عن ذلك – في البرنامج الذي صاغه للحزب الوطني في 18 ديسمبر 1881 م – كضرورة لحماية هذا المجلس النيابي والوضع الدستوري من الإلغاء , الذي حدث لمثيله في الآستانة عاصمة العثمانيين , فيقول : (( … ويرى هذا الحزب : أن مجلس النواب ربما أكره على الصمت – كما حصل لمجلس الآستانة – واستعين عليه بجعل المطابع آلة تطلق نحوه السهام , فيتكدر صفو الراحة , ويحرم الأبناء من التعليم ؛ ولهذا فوض الأهالي أمرهم إلى أمراء الجهادية , … لعلمهم أن رجال العسكرية هم القوة الوحيدة في البلاد , وهم يدافعون عن حريتهم الآخذة في النمو … وليس في عزمهم إبقاء الحال على ما هي عليه , بل متى حصلت الأمة على حقوقها عدلوا عن السياسة الحاضرة , فإن أمراء الجهادية عازمون على ترك التدخل في السياسة بعد أن فتح المجلس , فهم الآن بصفة حراس على الأمة التي لا سلاح لها ! ))
[ الأعمال الكاملة ج 1 ص 369 ]

ونحن نقول إن قبول محمد عبده بهذا الموقف إنما كان تخليا , مؤقتا , بسبب الضرورات القاهرة ؛ عن فكره الأصيل , الشديد الايمان بالدستور , وسلطة القانون , ومدنية السلطة . ولقد ظل هذا هو موقفه الأصيل . فعندما زار السودان في أخريات حياته , واجتمع بالضباط المصريين هناك , وخطب في ناديهم ؛ أعجب اعجابا شديدا بنظامهم ونشاطهم الاجتماعي , كان مما قاله لهم : (( لقد قمتم أيها الضباط , بالأعمال التي عهدت إليكم في السودان أحسن قيام , وإن ما شاهدته من آثار المدنية التي تمت بأيديكم يجعلني , مع شدة ميلي إلى النظام والدستور , أتمنى أن تكون الحكومة المصرية حكومة عسكرية ؛ لينالها من التقدم على أيديكم ما ناله السودان )) !
 [ الأعمال الكاملة ج 1 ص 731 ]

ليست هناك تعليقات: