· الربا ورأس
المال :
نطالع نصوصه حول (( الربا )) فهو
يعتبر أن استغلال المال بالمال , واتخاذ المال وسيلة لكسب المال عن طريق استغلال
حاجة المحتاجين ؛ من الأسباب الأساسية لتحريم (( الربا )) في الإسلام , وينبه إلى
المخاطر الجسيمة التي تحدق بالمجتمع , إذا هو وقع ضحية لسلطان استغلال المال
بالمال , وهو ما نسميه اليوم (( برأس المال المصرفي )) الذي يتحكم به أرباب البنوك
والاحتكارات المصرفية في المجتمعات الرأسمالية … وعن هذه القضية البالغة الأهمية
يتحدث الأستاذ الإمام عندما يعرض للوجه الثالث من الوجوه التي جعلت الإسلام يحرم
(( الربا )) دون (( البيع )) فيقول : (( إن النقدين ( الذهب والفضة ) إنما وضعا
ليكونا ميزانا لتقدير قيم الأشياء التي ينتفع بها الناس في معايشهم , فإذا تحول
هذا , وصار النقد مقصودا بالاستغلال ؛ فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثروة من أيدي
أكثر الناس , وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استغلال المال
بالمال , فينمو المال ويربو عندهم , ويخزن في الصناديق والبيوت المالية المعروفة
بالبنوك , ويبخس العاملون قيم أعمالهم ؛ لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه ,
وبذلك يهلك الفقراء … وفي مثل هذه البلاد نرى الفقير يموت جوعا ولا يجد من يجود
عليه بما يسد رمقه ؛ إذ قل فيها التعاطف والتراحم وحلت القسوة محل الرحمة … ))
ولقد أبصر الأستاذ الإمام منذ وقت مبكر جدا في حياته العملية والفكرية والسياسية ؛
أن تركز ثروة البلاد في أيدي قلة من أبنائها , ومن باب أولى من الأجانب
الغرباء عنها , إنما ينذر بكوارث كثيرة , ومنها انخفاض القدرة الشرائية عند
الأغلبية الفقيرة من المواطنين , مما يؤدي إلى كساد في أسواق الزراعة والتجارة
والمصنوعات , فيتحدث عن أضرار هذا التركز , وكيف أنه كما (( يضر بهم ( أي الأغنياء
) وبحواشيهم , يضر أيضا بثروة البلاد نفسها ؛ إذ تحصر الثروة في دوائر مخصوصة عند
أشخاص قليلين , لوازمهم ليست بالكثيرة , فتكسد أسواق الصناعة والتجارة لقلة
الراغبين في الصنائع والبضائع ؛ أي : لقلة القادرين على اقتنائها , وتقل الرغبة في
الأعمال الزراعية ؛ إذ يكون الجميع كأجراء لا يهتمون اهتمام الملاك … ويزداد الضرر
إذا وقعت الأملاك والمبيعات في أيدي الغرباء والأجانب , الذين لا يسرنا أن نراهم
واضعي أيديهم على غالب الأملاك العظيمة والأراضي الواسعة التي كانت في أيدي أبناء
البلاد , بل هذا أمر يحزن كل ذي عقل وإدراك , ولا يغفل عنه إلا غبي دنئ , محب
للفقر والفاقة ))
[ الأعمال الكاملة ج 4 ص 759 , ج 2 ص
16 , 17 ]
- ثم يمضي
متحدثا عن توقعات الكتاب الاجتماعيين للنتائج التي ستترتب على هذا الصراع , فهم ((
يتوقعون من عاقبة ذلك انقلابا كبيرا في العالم , ولذلك قام كثير من فلاسفتهم
وعلمائهم يكتبون الرسائل والأسفار في تلافي شر هذه المسألة .. وقد ألف ((
تولستوي )) , الفيلسوف الروسي كتابا سماه ( ما العمل ؟ ) وفيه أمور يضطرب لفظاعتها
القارئ , وقد قال في آخره : (( إن أوروبا نجحت في تحرير الناس من الرق , ولكنها
غفلت عن رفع نير الدينار عن أعناق الناس الذين ربما استعبدهم المال يوما ما ! ))
[ الأعمال الكاملة ج 4 ص 759 , 760 ]
· انفاق المال
في الخير مرتبط الايمان :
كما يحدد أن هذا الإنفاق الواجب ليس
ما يلزم الإنسان لحياة أهله وولده , ولا ما نعرفه من مظاهر الكرم والجود , وإنما
هو الإنفاق في المصالح القومية العامة , وهو يزيد هذا الأمر حسما ووضوحا في تفسيره
لقول الله سبحانه : { الَّذينَ يُؤمِنون َ بِالغَيبِ ويُقيمونَ الصَلاة َ ومِمَّا
رَزقناهم يُنفقون َ } [ سورة البقرة : 3 ] , فيقول : (( إن هذا الوصف من أقوى
أمارات الإيمان بالغيب ؛ لأن كثيرا من الناس يأتون بضروب العبادات
البدنية كالصلاة والصوم , ومتى عرض لهم ما يقتضي بذل شئ من المال لله تعالى يمسكون
ولا تسمح نفوسهم بالبذل , وليس المراد بالإنفاق هنا ما يكون على الأهل والولد ,
ولا ما يسمونه بالجود والكرم , كقرى الضيوف ابتغاء عرض الشهرة والجاه , أو الأنس
بالأصحاب ؛ لأن هذا ليس من آثار الإيمان بالغيب ؛ وإنما هو الإيمان الناشئ عن شعور
بأن الله تعالى هو الذي رزقه وأنعم عليه به , وأن الفقير المحروم عبد الله مثله ,
وأنه حرم من سعة العيش لضعف أو حرمان من الأسباب التي توصل الى الرزق ….
ثانيا : إن هذا الإنفاق الواجب ,
والذي هو غير الزكاة وغير النفقات الخاصة والعائلية , وغير نفقات الجود والكرم ؛
إن هذا الإنفاق ليس محدودا بقدر معين , ولا محددا بمبلغ لا يتعداه , وهو أيضا لا
يرتهن وجوبه بحيازة نصاب معين من المال , كما هي الحال في الزكاة وما يماثلها من
الصدقات … وفي ذلك يقول الأستاذ الإمام عندما يفسر قول الله سبحانه : { ويسألُونكَ
ماذا يُنفقون َ قُل العفوَ …} : (( … إن القرآن أطلق (( العفو )) ليقدره كل قوم في
كل عصر بحسب ما يليق بحالهم ؛ لأنه خطاب عام ليس خاصا بأهل جزيرة العرب , ولا بحال
الناس زمن البعثة . والمراد بهذا الإنفاق ما وراء الزكاة المفروضة المحددة , كصدقة
التطوع على الأفراد وعلى المصالح العامة … إن الأمة المؤلفة من مليون واحد إذا
كانت تبذل من فضل مالها في مصالحها العامة ؛ تكون أعز وأقوى من أمة مؤلفة من مائة
مليون لا يبذلون شيئا من فضول أموالهم في مثل ذلك )) ص 147 , 148.
[ الأعمال الكاملة ج 4 ص 595 , 596
والآية 219 سورة البقرة ]
· التكافل
الاجتماعي وليس تركيز الثروة :
ثالثا : إن انحياز الإسلام إلى صف
فلسفة (( تكافل الأمة )) , إنما يعني ارتكاز فلسفة الإسلام المالية على موقف غير
منحاز إلى (( الملكية الفردية )) بالمعنى المتعارف عليه في فلسفات النظم
الاقتصادية الفردية في هصرنا هذا … بل على العكس من ذلك تماما , فالإسلام ينحاز
إلى الفلسفة المالية التي ترى في المال (( ملكا للأمة )) وليس حق الحائز لهذا
المال فيه بأقوى من حق المحتاج إلى هذا المال فيه , فمركزهما القانون , من حيث
مشروعية الانتفاع بهذا المال سواء على قدم المساواة … والحائز الذي يمنع المحتاج
حاجته – سواء أكان هذا المحتاج فردا أم مصلحة عامة – هو بمثابة السابق والمغتصب
لمال الآخرين .
….يقول الأستاذ الإمام في تفسيره لقول
الله سبحانه : { يا أيها الّذين آمنوا لا تأكلُوا أموالكُم بَينكم بالباطِل ِ }
وهي أن صاحب المائل الحائز له يجب
عليه بذله للمحتاج , فكما لا يجوز للمحتاج أن يأخذ شيئا من مال غيره بالباطل
كالسرقة والغصب , لا يجوز لصاحب المال أن يبخل عليه بما يحتاج إليه !… ))
ص 149
[ الأعمال الكاملة ج 5 ص 201 والآية
29 في سورة النساء ]
· النصوص
الشرعية مع القوى العاملة :
في مختلف الجوانب النظرية للمسألة
الاجتماعية نلتقي بعديد من الأحاديث النبوية التي تنتصر للعمل , وللجماعية ,
وللفقراء , والتي تنهي عن حيازة ما زاد على احتياجات الإنسان .
ففي تمجيد العمل نقرأ قوله – صلي الله
عليه وسلم - : (( لأن يحتطب أحدكم – وفي رواية : لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب – خير
له من أن يسأل الناس , أعطوه أو منعوه … )) , وعن اليد العاملة نقرأ قوله : (( هذه
يد يحبها الله ورسوله )) , وقوله : (( لا يؤجر أحد إلا بكد يمينه )) ,
وقوله : (( أطيب الكسب : عمل الرجل بيده )) [ رواه أحمد والحاكم ]
وفي الحديث الذي يرويه الطبراني عن
أبي موسى , فيقول : إنه سمع النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول : (( لن تؤمنوا حتى
تراحموا )) , قالوا : يا رسول الله , كلنا رحيم ! قال : (( إنه ليس برحمة أحدكم
صاحبه , ولكنه رحمة العامة )) .
وفي تقرير المبدأ الذي يحدد للفقراء
في أموال الأغنياء ما يكفيهم ويدفع عنهم الحاجة – وهو ما وجدناه في تفسير الأستاذ
الإمام لقول الله سبحانه : { يا أيُها الذيِن آمنوا لا تأكلُوا أموالكم بينكم
بالباطل ِ }. في تقرير هذا المبدأ نقرأ الحديث الذي يرويه الإمام على عن الرسول ,
والذي يقول فيه : (( إن لله على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم
, وما يجهد الفقراء إذا جاعوا وعروا إلا بما يصنع أغنياؤهم , ألا وإن الله يحاسبهم
حسابا شديدا ويعذبهم عذابا أليما )) .
ونقرأ الحديث الذي يرويه (( مسلم ))
في صحيحه : (( عن أبي سعيد الخدري قال : بينما نحن في سفر مع النبي – صلى الله
عليه وسلم - , إذ جاء رجل على راحلة له … قال … فجعل يصرف يمينا وشمالا , فقال
رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له
, ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له … قال … فذكر من أصناف المال
ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل )) ص 157 – 158 .
[ صحيح مسلم , بشرح النووي ج 12 ص 33
"]
· تشخيص محمد
عبده لضعف الأمة على المستوى العام :
وعن هذه (( السياسة العليا )) ,
واشتغاله بها , وتجربته فيها , يستدرك الأستاذ الإمام في حديثه عن أهدافه التي
ارتفع بها صوته , فيقول : (( وهناك أمر آخر , كنت من دعاته , والناس جميعا في عمى
عنه , وبعد عن تعقله , ولكنه هو الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية , وما
أصابهم الوهن والضعف والذل إلا بخلو مجتمعهم منه ؛ وذلك هو التمييز بين ما للحكومة
من حق الطاعة على الشعب , وما للشعب من حق العدالة على الحكومة … نعم .
كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلى معرفة
حقها على حاكمها – وهي هذه الأمة التي لم يخطر لها هذا الخاطر على بال من مدة تزيد
على عشرين قرنا – دعوناها إلى الاعتقاد بأن الحاكم – وإن وجبت طاعته – هو من البشر
الذي يخطئون , وتغلبهم شهواتهم , وأنه لايرده عن خطئه ولا يقف طغيان شهواته إلا
نصح الأمة له بالقول والفعل .
جهرنا بهذا القول والاستبداد في
عنفوانه والظلم قابض على صولجانه , ويد الظالم من حديد , والناس كلهم عبيد له !
ص 165 .
[ الأعمال الكاملة ج 2 ص 318 – 320 ]
· رؤية
الأفغاني ورؤية محمد عبده :
ونحن نعتقد أن إلقاء الضوء على
التكوين الذاتي والفكري للأستاذ الإمام في المرحلة الأولى من حياته العملية , وهي
التي سبقت التقاءه مع عرابي و (( الحزب الجهادي )) ؛ أي : الفترة التي سبقت مظاهرة
عابدين في 9 سبتمبر سنة 1881 م ؛ هو أمر هام جدا , بل لعله أهم الأمور في فهم كل
مواقفه وأفكاره , التي شهدتها حياته حتى انتقاله إلى رحمة الله .
فالبعض يظن – خطأ – أن الأستاذ الإمام
كان في هذه الفترة على مذهب أستاذه جمال الدين الأفغاني , في السياسة والعمل
السياسي والنظرة إلى ما يجب أن تكون عليه علاقة الحاكم بالمحكوم , وتنظيم المجتمع
الشرقي في ذلك الحين .. ويعتقد هذا البعض – خطأ كذلك – أن اختلاف الرجلين إنما كان
بعد فشل الثورة العــرابية , عندما قرر الأفغاني مواصلة الدعوة للثورة والعمل لها
, بينما يئس محمد عبده من هذا الطريق . بينما الحقيقة أن محمد عبده – في أمر
السياسة هذا – كان منذ صدر حياته العملية مدرسة متميزة عن مدرسة الأفغاني , قد
يتفقان في الغايات , وهما بالحق متفقان , ولكنهما مختلفان في الوسائل اختلافا
حقيقيا وعميق الجذور .
فالأفغاني كان يدعو إلى (( الثورة ))
, ومحمد عبده كان يدعو إلى
(( الاصلاح )) .. وفرق بين ((
الثورة )) و (( الاصلاح )) , و (( الثوري )) و (( المصلح )) .
والأفغني كان يدعو إلى (( الشورى )) ؛
بمعنى الانتخابات التي تشارك فيها جماهير الأمة وعامة أفرادها ؛ كي توضع مقاليد
الأمة في يد هذه الجماهير وهؤلاء العامة . بينما كان محمد عبده يدعو إلى سلطة
القانون , يقوم على تنفيذها حاكم فرد , و (( مستبد عادل )) , ويصارع ضد إعطاء العامة
والجماهير مقاليد الأمور ؛ بدعوى أنها لم تتهيأ بعد لذلك , ولم يتكون في البلاد
بعد (( رأي عام )) … وكان يرى في طريق الأفغاني – الذي سار فيه العُرابيون -
تقليدا لمجتمعات تختلف في درجة تطورها عن المجتمع الذي شهدته مصر في ذلك الحين.
[ نصوص الأفغاني , انظر الأعمال
الكاملة لجمال الدين الأفغني ص 473 ]
ولذلك كان الأفغاني يتوجه دائما إلى
جماهير الأمة … بينما كان الأستاذ الإمام يعول على الصفوة المستنيرة في هذه
الجماهير ..
- الأدلة على
رؤية الامام للتحولات الديمقراطية :
1- في الوقت الذي كانت فيه الدعوة
قائمة , على قدم وساق , لتكوين المجلس النيابي ؛ كان محمد عبده يدعو إلى إصلاح ذي
شعبتين : التربية والتعليم ؛ لتكوين الرجال الذين يمكن فيما بعد أن يتكون منهم هذا
المجلس النيابي , والتدرج نحو تكوين هذا المجلس القومي عن طريق تعويد الناس على
ذلك , من خلال المجالس المحلية في المديريات والمحافظات , وفي ذلك يقول : (( إن
أول ما يبدأ به : التربية والتعليم ؛ لتكوين رجال يقومون بأعمال الحكومة النيابية
على بصيرة مؤيدة بالعزيمة وحمل الحكومة على العدل والإصلاح , ومنه تعويدها الأهالي
على البحث في المصالح العامة واستشارتها إياهم في الأمر بمجالس خاصة تنشأ في
المديريات والمحافظات …يقول : (( وليس من الحكمة أن تعطي الرعية ما لم
تستعد له ؛ فذلك بمثابة تمكين القاصر من التصرف بماله قبل بلوغه سن الرشد ! ))
وهو يقرن زوال الاستبداد بالتربية
والتعليم للطبقات الوسطى والدنيا فيقول : (( أن المعهود في سير الأمم وسنن
الاجتماع أن القيام على الحكومات الاستبدادية ( أي الثورة عليها ) , وتقييد سلطتها
, وإلزامها الشورى والمساواة بين الرعية ؛ إنما يكون من الطبقات الوسطى والدنيا ,
إذا فشا فيهم التعليم الصحيح والتربية النافعة وصار لهم رأي عام ))
[ من كلمات الأستاذ الإمام في مناقشة
عرابي وعدد من زملائه بمنزل طلبة باشا قبل مظاهرة عابدين بعشرة أيام – الأعمال
الكاملة للإمام محمد عبده ج 1 ص 316, 317 ]
2 – وعندما تتردد في صفوف العرابيين
أفكار عن إلغاء الخديوية وتحويل نظام الحكم إلى النظام الجمهوري يقف الأستاذ
الإمام معارضة , فيكتب في ( الوقائع ) عن: (( أن أحوال الأمم بنفسها هي المشرع
الحقيقي … فإن انتقال حكومة فرنسا , مثلا , من الملكية المطلقة إلى المقيدة , ثم
إلى الجمهورية الحرية ؛ لم يكن بإرادة أولي الحل والعقد فقط , بل المساعد الأقوى
حالة الأهالي ..وهذا ما جعل عقلاء الناس يجتهدون أولا في تغيير الملكات وتبديل
الأخلاق , عندما يريدون أن يضعوا للهيئة الاجتماعية نظاما محكما , فيقدمون التربية
الحقيقية على ما سواها ))
[ الأعمال الكاملة ج 1 ص 314 ]
وفي مقال آخر يقارن بين أمريكا
الجمهورية , وما يصلح لها من حرية , وبين (( أفغانستان , مثلا , حال كونها على ما
نعهد من الخشونة … )) , ويقول : (( إنه لابد من قرون تبث فيها العلوم , وتهذب
العقول , وتذلل الشهوات الخصوصية , وتوسع الأفكار الكلية ؛ حتى ينشأ في البلاد ما
يسمى بالرأي العمومي , فعند ذلك يحسن لها ما يحسن لأمريكا … ولكن أرباب الأفكار
منا يرومون أن تكون بلادنا , وهي هي , كبلاد أوروبا , وهي هي .. فمن يريد خير
البلاد فلا يسعى إلا في إتقان التربية , وبعد ذلك يأتي له جميع ما يطلبه , إن كان
طالبا حقا , بدون إتعاب فكر ولا إجهاد نفس ! )) ص 168 - 171 [ الأعمال الكاملة ج1
ص 298, 299 ]
- خلاصة الأمر
: أن محمد عبده كان يرى في ذاك الوقت الذي عايشه أن شرط وجود (( الرأي العام )) لم
يتحقق في مصر حتى تعطى جماهيرها مقاليده في أيديها ….
· علاقة محمد
عبده بالعسكريين والدولة المدنية :
و محمد عبده الذي كان يرى دائما –
لتكوينه الذاتي ومزاجه الفكري – ضرورة المحافظة على مدنية السلطة ودستوريتها ,
ويناهض صبغها بالصبغة العسكرية , كما يناهض صبغها بالصبغة الدينية ؛ قبل مؤقتا ,
دور الحزب الجهادي العسكري في العمل السياسي , ووجدناه يتحدث عن ذلك – في
البرنامج الذي صاغه للحزب الوطني في 18 ديسمبر 1881 م – كضرورة لحماية هذا المجلس
النيابي والوضع الدستوري من الإلغاء , الذي حدث لمثيله في الآستانة عاصمة
العثمانيين , فيقول : (( … ويرى هذا الحزب : أن مجلس النواب ربما أكره على الصمت –
كما حصل لمجلس الآستانة – واستعين عليه بجعل المطابع آلة تطلق نحوه السهام ,
فيتكدر صفو الراحة , ويحرم الأبناء من التعليم ؛ ولهذا فوض الأهالي أمرهم إلى
أمراء الجهادية , … لعلمهم أن رجال العسكرية هم القوة الوحيدة في البلاد , وهم
يدافعون عن حريتهم الآخذة في النمو … وليس في عزمهم إبقاء الحال على ما هي عليه ,
بل متى حصلت الأمة على حقوقها عدلوا عن السياسة الحاضرة , فإن أمراء الجهادية
عازمون على ترك التدخل في السياسة بعد أن فتح المجلس , فهم الآن بصفة حراس على
الأمة التي لا سلاح لها ! ))
[ الأعمال الكاملة ج 1 ص 369 ]
ونحن نقول إن قبول محمد عبده بهذا
الموقف إنما كان تخليا , مؤقتا , بسبب الضرورات القاهرة ؛ عن فكره الأصيل , الشديد
الايمان بالدستور , وسلطة القانون , ومدنية السلطة . ولقد ظل هذا هو موقفه الأصيل
. فعندما زار السودان في أخريات حياته , واجتمع بالضباط المصريين هناك , وخطب في
ناديهم ؛ أعجب اعجابا شديدا بنظامهم ونشاطهم الاجتماعي , كان مما قاله لهم : ((
لقد قمتم أيها الضباط , بالأعمال التي عهدت إليكم في السودان أحسن قيام , وإن ما
شاهدته من آثار المدنية التي تمت بأيديكم يجعلني , مع شدة ميلي إلى النظام
والدستور , أتمنى أن تكون الحكومة المصرية حكومة عسكرية ؛ لينالها من التقدم على
أيديكم ما ناله السودان )) !
[ الأعمال الكاملة ج 1 ص 731 ]
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق