· التدخل
الأجنبي دعاه للثورة :
وفي يناير سنة 1882 م , وجد محمد عبده
نفسه مضطرا – ولكن بإرادته واختياره – إلى التقدم خطوات أكثر في الاتفاق مع
العرابيين , وتبنى المواقف الأكثر ثورية , وتجاوز مواقع الاعتدال في تقييم الأمور
ومعالجة الأحداث , ففي 8 يناير سنة 1882 م , وصلت المذكرة الإنجليزية – الفرنسية
المشتركة ؛ كي تعلن الحرب على الحركة الوطنية المصرية , في صورة اعلان عزم
الدولتين على العمل معا لحماية عرش الخديو توفيق . وهي المذكرة التي جاءت ثمرة
لسعي رئيس الوزراء الفرنسي (( غمبتا )) لدى رئيس الوزراء الانجليزي (( جلادستون ))
منذ ديسمبر 1881 م .
ويومها وجد محمد عبده أن الأمر ليس
أمر فروق في التفكير , أو الموقف بين دعاة (( الثورة )) و دعاة (( الإصلاح )) ,
ولا بين (( المعتدلين )) و (( الثوريين )) . وإنما الأمر أمر المخاطر
الأجنبية المحدقة بالوطن . فازداد التحامه بالثورة , بل أصبح من قادتها المعدودين
.
ص 177 .
· التربية
والتعليم :
فلقد كان الرجل , بسبب استغراقه
التأملي في هذا الحقل قبل غيره وأكثر من غيره من الحقول ؛ يعتقد أن العمل التربوي
يمكن أن ينجح ويثمر بعيدا عن التأثر بالعوامل السياسية وغيرها , وأنه , أكثر من
ذلك , يمكن أن يكون بديلا عن الاشتغال بما عداه من العوامل والمهام … وهو لذلك
يعجب للنبهاء الذين لا يفرغون للتربية بدلا من الاشتغال بالسياسة , فيقول : (( إني
لأعجب لجعل نبهاء المسلمين وجرائدهم كل همهم في السياسة , وإهمال أمر التربية الذي
هو كل شئ , وعليه يبنى كل شئ …..
· أهمية
التربية عند الأستاذ الإمام ضد الاستعمار :
وعندما كان النفوذ الاستعماري
الأوروبي يزحف على الولايات العربية العثمانية في المشرق العربي , مستخدما العديد
من الأسلحة والوسائل , ومنها مدارس جمعيات التبشير ؛ لم ير الأستاذ الإمام سلاحا
نحارب به هذا النفوذ الاستعماري سوى سلاح التربية , فهو يقول : إنه لا سبيل
لمواجهة النفوذ الأجنبي في لبنان (( إلا بالتربية ومدافعة الأجانب بمثل سلاحهم ..
وما أسهل سد تلك المنافذ على أولئك الأجانب بإنشاء معهد للتربية العثمانية ! )) .
وعندما تلعب الطائفية دورها في تمزيق
المجتمعات العربية في الشام , وتقسم المواطنين هناك إلى سنة وشيعة , ودروز وعلويين
… إلخ … إلخ . ويتعلق زعماء الدروز بالنفوذ الإنجليزي ؛ يري الأستاذ الإمام أنه ((
لا طريق لإصلاحهم وراحة الدولة من ناحيتهم إلا ما يسلكه غيرنا لمثل هذه الغاية ,
وهو التربية والتعليم , مع اختيار الصالحين للقيام بها … ))
[ الأعمال الكاملة ج 3 ص 95 ]
· دور الدين في
التربية :
وهو يزيد رأيه في دور الدين في
التربية إيضاحا وتحديدا , عندما يتحدث الى الناس , فيقول لهم : (( إن مطلوبكم
المحبوب هو العلم , كان العلم فيكم وكان الحق معه , وكان الحق فيكم وكان المجد معه
.. كل مفقود يفقد بفقد العلم , وكل موجود يوجد بوجود العلم .. أما العلم الذي نحس
بحاجتنا إليه , فيظن قوم أنه علم الصناعة وما به إصلاح مادة العمل في الزراعة
والتجارة مثلا . وهذا ظن باطل ؛ فإنا لو رجعنا إلى ما يشكوه كل منا ؛ نجد
أمرا وراء الجهل بالصناعات وما يتبعها . إن الصناعة لو وجدت بأيدينا نجد فينا عجزا
عن حفظها , وإن المنفعة قد تتهيأ لنا , ثم تنفلت منا لشئ في نفوسنا ؛ فنحن نشكو
ضعف الهمم , وتخاذل الأيدي , وتفرق الأهواء , والغفلة عن المصلحة الثابتة . وعلوم
الصناعات لا تفيدنا دفعا لما نشتكيه , فمطلوبنا هو علم وراء هذه العلوم , ألا وهو
العلم الذي يمس النفس , وهو علم الحياة البشرية … العلم المحيي للنفوس , هو علم
أدب النفس , وكل أدب لها هو في الدين , فما فقدناه هو التـبـحر في آداب الدين ,
وما نحس من أنفسنا طلبه هو التفقه في الدين , ولا أريد أن نطلب علما محفوظا ,
ولكنا نطلب علما مرعيا ملحوظا .. فإذا استكملت النفس بآدابها عرفت مقامها من
الوجود , وأدركت منزلة الحق في صلاح العالم فانتصبت لنصره , وأيقنت بحاجتها إلى
مشاركــيها في الوطن والدولة والملة .. وإننا في تحصيل هذا العلم الحيوي لا نحتاج
إلى الاستفادة من البعداء عنا , بل يكفينا فيه الرجوع لما تركنا , وتخليص ما خلطنا
, فهذه كتبنا الدينية والأدبية حاوية لما فوق الكفاية مما نطلب , وليس في كتب
غيرنا ما يزيد عليها إلا بما لا حاجة بنا إليه ….
وهناك جانب آخر من جوانب فكر الرجل في
موضوع (( التعليم )) … مثل : (( ديمقراطية التعليم )) , أو طبقية التعليم …فالذين
يرون حق أبناء المجتمع جميعا – بصرف النظر عن الوضع الطبقي – في بلوغ أعلى مراحل
التعليم , وواجب الدولة في البلوغ بهم إلى هذه المستويات الرفيعة ؛ ينادون : ((
بديمقراطية التعليم )) … بينما الذين يرون لكل طبقة اجتماعية مستوى تعليميا لا
تتعداه , هم من أنصار (( طبقية التعليم )) …والأمر المؤسف أن الأستاذ الإمام كان
من أنصار (( طبقية )) التعليم ؟!
فهو يقول صراحة : (( إن الناس في
التعليم طبقات ثلاث :
الطبقة الأولى : العامة من أهل
الصناعة والتجارة والزراعة ومن يتبعهم .
والثانية : طبقة الساسة ممن يتعاطى
العمل للدولة في تدبير أمر الرعية , وحمايتها من ضباط العسكرية , وأعضاء المحاكم
ورؤسائها ومن يتعلق بهم , ومأمور الادارة على اختلاف مراتبهم .
والطبقة الثالثة : طبقة العلماء من
أهل الإرشاد والتربية …. )).
وأن الواجب هو (( تحديد ما يلزم لكل
واحدة )) من هذه الطبقات من التعليم , كما ونوعا ..وعندما يريد الأستاذ الإمام أن
يتحفظ على تقسيمه هذا , ليقول لنا إن ارتقاء الناس بالتعليم من الطبقات الدنيا إلى
العليا غير ممنوع , نجد صورة هذا الاستثناء والتحفظ لا يخرج عن حدود (( الشواذ ))
, والحالات الفردية , و (( الآحاد )) من النوابغ , فيقول : (( ولا نريد بهذا
التقسيم منع الآحاد من كل طبقة أن يطلبوا الكمال الذي خص به من فوقهم … ))
[ الأعمال الكاملة ج 3 ص 77 – 83 ]
فهو موقف طبقي ينظر إلى التعليم من
موقع طبقي , فيقسم الناس الى طبقات تبعا لوضعهم الاجتماعي ….
وحتى لا يتوهم إنسان أننا نظلم الرجل
, فنعمم مدلول كلماته هذه على موقفه ونشاطه في حقل التربية والتعليم ؛ نلقي نظرة
متأملة على جهوده العملية في هذا المجال , وهي الجهود التي أتيحت له عندما رأس (
الجمعية الخيرية الإسلامية ) , التي كانت تعمل في خدمات ثقافية واجتماعية , في
مقدمتها التعليم .
[ تأسست هذه الجمعية سنة 1892 م ( سنة
1310 هـ ) ورأسها الأستاذ الإمام سنة 1900 م ( سنة 1318 هـ ) ]
وفي ذلك التاريخ أيضا , كان مصطفى
كامل وتيار الحزب الوطني يقيم المدارس ؛ كي تقدم نموذج الوطني المصري المثقف ,
الذي تجعل منه الثقافة صاحب موقف ثوري في مناهضة الاحتلال , وهي المدارس التي
اجتذبت أبناء البورجوازية المصرية الصغيرة , وأسهمت في تكوين هذه الطبقة وبلورة
شخصيتها في المجتمع .
ص 206 – 207 .
· أسباب إهتمام
الإمام بالأسرة :
ولقد كانت خلف هذا الاهتمام الكبير ,
الذي أبداه الرجل تجاه إصلاح الأسرة أسباب كثيرة , بعضها فكري ,
وبعضها يرجع إلى تكوينه الريفي , الذي يقيم وزنا كبيرا للترابط الأسري ووحدة
البيوت , وهو في هذا الباب كان نموذجا للفلاح المصري الأصيل بكل ما يحمل تجاه هذا
الخلق من تقدير وتقديس … كما أن التفكك والانحلال اللذين كانا يزحفان على العلاقات
الأسرية التقليدية , كانا من الأسباب والعوامل التي أزعجت الأستاذ الإمام واستنفرت
تركيزه هذا على هذا الجانب من جوانب الإصلاح , وهو قد أجرى في هذا الحقل بعض
الدراسات , وخاصة في ميدان المحاكم وما تزخر به من قضايا تفسد العلاقات بين
الأقارب وتفعل فعلها في تفكك البيوت , وعن إحدى دراساته هذه , يقول : إنني (( قد
استنتجت بالاستقراء , منذ كنت قاضيا في إحدى المحاكم الجزئية , أن نحو 75 في
المائة من القضايا بين الأقارب بعضهم مع بعض , بما لم يحمل عليه غير التباغض وحب
الوقيعة والنكاية , فهل من المعقول أن يكون الفساد في العلائق الطبيعية إلى هذا
الحد من التصرم , ونتساءل عن تصرم العلائق الوطنية ؟!
هل يمكن بعد أن نفقد الروابط الضرورية
بين العائلات أن نبحث عن الروابط للجامعة الكبرى ؟! أو ليس هذا كمن يطلب الثمر من
أغصان الشجر بعدما جذ أصولها وجذورها , وقطع أوصال عروقها , وغادرها قطع أخشاب
يابسة ! ))
[ الأعمال الكاملة ج 3 ص 159 ]
يرجع اهتمام الأستاذ الامام الى توطيد
العلائق الأسرية هو مثاليته الريفية الزراعية التي تقدس روابط الأسرة وهي بلا شك
تتخطى العلاقات الاجتماعية الجديدة في المجتمعات التجارية الصناعية ,
و رغم أنه كمصلح يقع في تناقض بين أنه
يرى ضرورة التقدم والتطور إلا أنه يرى عندما تتفاقم مشكلات هذا المجتمع الصناعي
وعلاقاته المادية يعز عليه انهيار منظومته الأخلاقية الطيبة والمنازعات في
معاملاته المالية بسبب الميراث على نحو ما قد بذل جهدا في اصلاح
المحاكم الشرعية التي استهدفت اصلاح الأسرة بوصفها اللبنة الأولى للمجتمع .. ص 216
– 218 .
· فقه الطلاق :
وعندما أراد أن يحدد الطريقة المثلى
لتلافى فوضي الطلاق في المجتمع وكثرته ؛ حدد هذه الطريقة في عدد من المواد
القانونية المقترحة , وهي :
المادة الأولى :
(( كل زوج يريد أن يطلق زوجته فعليه
أن يحضر أمام القاضي الشرعي , أو المأذون الذي يقيم في دائرة اختصاصه , ويخبره
بالشقاق الذي بينه وبين زوجته .
المادة الثانية :
يجب على القاضي أو المأذون أن يرشد
الزوج إلى ما ورد في الكتاب والسنة , مما يدل على أن الطلاق ممقوت عند الله ,
وينصحه ويبين له تبعة الأمر الذي سيقدم عليه , ويأمره أن يتروى مدة أسبوع .
المادة الثالثة :
إذا أصر الزوج , بعد مضي الأسبوع ,
على نية الطلاق ؛ فعلى القاضي أو المأذون أن يبعث حكما من أهل الزوج وحكما من أهل
الزوجة أو عدلين من الأجانب , إن لم يكن لهما أقارب ليصلحا بينهما .
المادة الرابعة :
إذا لم ينجح الحكمان في الإصلاح بين
الزوجين ؛ فعليهما أن يقدما تقريرا للقاضي أو المأذون , وعند ذلك يأذن القاضي أو
المأذون للزوج في الطلاق .
المادة الخامسة :
لا يصح الطلاق إلا إذا وقع أمام
القاضي أو المأذون , وبحضور شاهدين , ولا يقبل إثباته إلا بوثيقة رسمية ))
[ الأعمال الكاملة ج 2 ص 125 , 126 ]
- وهو إلى جانب
ذلك , يرى اشتراط نية الطلاق والفراق عند إيقاع يمينه , وأن يكون الطلاق جميعه
واحدا رجعيا دائما , حتى ولو وقع ثلاثا في مجلس واحد , ويستعين في هذه الأحكام
بنظرة مستنيرة تجمع من مختلف مذاهب الملة الإسلامية ما يخفف عن الناس المضار
النازلة بهم في هذا الميدان .
[ الأعمال الكاملة ج 2 ص 119 – 125 ]
- كما يرى أن
التحكيم واجب على ولي الأمر وعلى جماعة المسلمين وأن الإثم باهمال إقامته وتطبيق
نظامه ويلحق المجتمع الإسلامي بأسره حكاما ومحكومين حيث يفضي الاهمال الى فساد في
البيوت بين الأولاد والأقارب …..ص 220 – 222 .
· مأثورات محمد
عبده :
- (( إني لأعجب
لجعل نبهاء المسلمين وجرائدهم كل همهم في السياسة وإهمالهم أمر التربية الذي هو كل
شئ وعليه يبنى كل شئ )) ص 197 .
- (( والرجل
والمرأة متماثلان في الحقوق والأعمال والذات والشعور والعقل .. أما الرجال الذين
يحاولون بظلم النساء أن يكونوا سادة في بيوتهم فإنهم إنما يلدون عبيدا لغيرهم )) ص
213 .
(( اقتباس )) انظر كتاب الامام محمد عبده مجدد الدنيا بتجديد
الدين / للأستاذ الدكتور محمد عمارة – عضو مجمع البحوث الاسلامية بالأزهر
الشريف والعالم المحقق والمفكر الاسلامي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق