العبرة بالخواتيم (3)
كتب الدكتور محمد عمارة
جريدة الأخبار المصرية 26/5/2006م
هكذا بلغ الدكتور طه حـسين قمة المراجعة الفكرية
..والتطور ..ان لم نقل الانقلاب فدعا الى الالتزام بحاكمية الاسلام والقـرآن في
الدولة والدستور والقـانون..**
إن القـرآن لم ينظم أمور السياسة تنظيما مجملا أو مفصلا
.. وإن النبي لم يرسم بسنته نظاما للحكم ولا للسياسة ..فليس بين الاسلام والمسيحية
فرق من هذه الناحية .. ولأمر ما قال عيسى عليه السلام للذين جادلوه من بني اسرائيل
: (( أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله )) !
هكذا بلغ الدكتور طه حـسين قمة المراجعة الفكرية
..والتطور ..إن لم نقل الانقلاب !..فدعا إلى الالتزام بحاكمية الاسلام والقـرآن في
الدولة والدستور والقانون ..بعد أن كان يدعو إلى الانفلات من حاكميتها ..
أما المحطة التي بلغ فيها وبها الدكتور طه حـسين قمة
القمم وذروة الإياب إلى الأحضان الحنونة والرؤومة والعطوفة والدافئة لروحانية
الاسلام – وليس فقط عقلانيته المؤمنة – فلقد كانت هي محطة الوصول الكامل – وصول
العاشق للمعشوق – بعد طول تطواف .. وذلك عندما قام برحلته الحجازية , حيث اعتمر ,
وعاش لحظات من الروحانية المتصوفة الراقية في منزل الوحي ومنبع نور الاسلام ,
فعادت به إلى الأصول النقية , وغسلت عنه كل الأدران !..
جوانح نفسي
ففي شهر جمادي الأولى سنة 1374 هـ - يناير سنة 1955م –
زار الدكتور طه حـسين المملكة العربية السعودية رئيسا للجنة الثقافية للجامعة
العربية , التي عقدت دورتها التاسعة في جدة – وذلك على رأس كوكبة من المثقفين
والأدباء العرب – وكان يصحبه في هذه الرحلة صديقه العلامة الشيخ أمين الخولي
(1313- 1385 هـ / 1895- 1966م ) – وفي خطابه بالمؤتمر تحدث عن مهبط الوحي ومشرق
الاسلام فقال : ((سادتي .. لقد سبق لي أن عشت بفكري وقلبي في هذه الأماكن المقدسة
زهاء عشرين عاما , منذ بدأت أكتب على هامش السيرة حتى الآن . ولما زرت مكة
والمدينة , أحسست أني أعيش بفكري وقلبي وجسدي جميعا , عشت بعقلي الباطن وعقلي
الواعي , استعدت كل ذكرياتي القديمة , ومنها ماهو من صميم التاريخ , ومنها ماهو من
صميم العقـيـدة . وكانت الذكريات تختلط بواقعي , فتبدو حقائق حينا , ورموزا حينا ,
وكان الشعور بها يغمرني , ويملأ جوانح نفسي ..
والآن أريد أن أقول لكم الحق كل الحق , الذي لانصيب لشرف
فيه من قريب أو بعيد : أن لكل مسلم وطنين , لايستطيع أن يشك في ذلك شكا قويا أو
ضعيفا , وطنه الذي نشأ فيه , وهو الوطن المقدس الذي أنشأ أمته وكون عقله وقلبه
وذوقه وعواطفه جميعا . هذا الوطن المقدس الذي هداه إلى الهدى , والذي يسره للخير ,
والذي عرفه نفسه , وجعله عضوا صالحا مصلحا في هذا العالم الذي نعيش فيه .
وطن الاسلام
أعترف – أيها السادة – بأني حين شرفني مجلس الجامعة
العربية لاختياري مشاركا في اللجنة الثقافية للجامعة , ترددت في قبول هذا الشرف
لأن فيه أعباء لاينهض بها إلا أولو العزم , ولكني لم أكد أسمع أن الدورة ستنعقد في
هذا الوطن الكريم العزيز , حتى أقبلت غير متردد ولامحجم , بل أقبلت يدفعني هذا
الشوق الطبيعي الذي تمتلئ به قلوب المسلمين جميعا , مهما تكن أوطانهم , ومهما تكن
أطوارهم . فهذا الوطن العزيز الكريم وطن العروبة ووطن الاسلام . لهذا الوطن أقدمت
على قبول هذا الشرف وأنا أستعين بالله على أن يتيح لي أن أنهض بأعبائه وهي أعباء
ثقال لاشك في ثقلها ..))
· وبعد الفراغ من المؤتمر – في جدة –
ركب طه حـسين – وبصحبته الشيخ أمين الخولي – السيارة قاصدين البيت الحرام – بمكة
المكرمة – لأداء العمرة .. وشهد مرافقوه – طوال الطريق – كيف كان الرجل متنقلا بين
تلاوة آيات من القـرآن الكريم وبين التلبية – (( لبيك اللهم لبيك . لبيك لاشريك لك
لبيك . إن الحمد والنعمة لك والملك , لاشريك لك لبيك ))..
· وكيف كان يقطع هذا الاستغراق الصوفي
ليسأل عن المكان الذي تمر به السيارة أو تحاذيه , ليعيش ذكريات تاريخ الاسلام ,
حتى إذا قالوا له إنهم بمحاذاة
(( الحديبية )) – حيث نزل
الرسول صلى الله عليه وسلم , وصحابته سنة 6 هـ معتمرين , طلب طه حـسين من السائق
أن يتوقف , ثم ترجل , وقبض من تراب الحديبية قبض فشمها , ثم تمتم ودموعه تنساب على
التراب قائلا : (( والله إني أشم رائحة محمد – صلى الله عليه وسلم – في هذا التراب
الطاهر )) .. وعلى مدى نصف ساعة بذل مرافقوه جهدهم كله في تهدئة روعه !.. ثم واصل
الركب سيره إلى مكة المكرمة حتى دخلوا الحرم من باب السـلام , وطه حسـين
لايكاد يخفي زلزلة ايمانه عن رفيقه .. فتوجها إلى الكعبة , فاستلم الحجر وقبله ..
ولم يغادر مكانه , بل ظل يتنهد ويبكي ويقبل الحجر حتى وقفت مواكب المعتمرين
انتظارا لأن يغادر هذا الأديب الكبير المكفوف مكانه , ولكنه – كما يقول الشيخ أمين
الخولي – أطال البكاء والتنهيد والتقبيل , ونسي نفسه , فترك المعتمرون في مكانه ,
وأجهشوا معه في البكاء والتنهيد ..)) !!..
هكذا كانت رحلة الدكتور طه حـسين مع
الاسلام والقـرآن ..ومع رسول الاسلام – صلى الله عليه وسلم – ومع روحانية الايمان
.. وكما يقـولون : فـإن العبرة بالخواتيم .. ولقد صدق رسـول الله إذ يقول : (( إن
الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة , حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع , فيسبق عليه
الكتاب فيختم له بعمل أهل النار , فيدخلها . وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى
ما يكون بينه وبينها إلا ذراع , فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل الجنة ,
فيدخلها ..)) رواه البخاري ومسلم ..
القـراءة من جديد
وإذا كان الدكتور طه حـسين – في
أخريات حياته – لم يكن يسمع بمنزله إلا المصحف المرتل من إذاعة القـرآن الكريم
فـإن على دارسيه – من العلمــانيين والاسلاميين – أن يكونوا أمناء مع حقائق هذا
التطور الفكري , فلا يقفون عند مراحله الأولى , غافلين أو متغافلين عن التطورات
التي صعد الرجل درجات سلمها , وصعدت به نحو الاحتضـان الحميمي لكامل الاسلام ..
فهذا المنهج المعيب في دراسة العظماء والفلاسفة والمفكرين والعلماء , لو طبق على
أغلب صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذين أقاموا الدين .. وبنوا الدولة
.. وأسسوا للحضارة ..وأورثونا أعظم نعم الله – نعمة الاسلام – لوقفت الدراسة لهم
عند مرحلة العبادة
(( للات )) و ((العزى )) و ((
مناة )) الثالثة الأخرى !!..
وتلك كارثة في الدراسة للمفكرين
والأفكار , حرام أن يقع فيها ويجتمع عليها كثير من غلاة العلمـانيين , ونفر من
الاسلاميين على السواء !
إن من يقول : (( إن مهبط الوحي , هو
الوطن المقدس , الذي أنشأ الأمة .. وكون العقل .. والقلب .. والذوق .. والعواطف
جميعا )) .. لابد أن يُقرأ من جديد !؟
التعليقات :
الرجل تاب ولقي ربه نسأل الله له
المغفرة لكن الرجل ملأ الدنيا صراخا في الطعن في الاسلام والتشكيك فيه ولم نسمع
صراخه في التوبة وتصحيح اخطاءه من كان نشيطا في الجاهليه عليه ان يكون نشيطا في
الاسلام
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق